إجابات علمية

هل للكون بداية؟

لعل أكثر الأسئلة التي شغلت عقول الفلاسفة المفكرين و العلماء على مر العصور هي تلك المتعلقة ببداية الكون و نهايته؛ هل الكون أبدي؟ هل له بداية أم إنه كان دائما على ما هو عليه الآن؟ هل هو محدود أم إنه لا نهائي؟

الكون اللانهائي نموذج صعب التخيل، أما نموذج الكون المحدود فقد خلق مفارقة لدى الإغريق. إن أخرجت يدك من حافة الكون فإلى أين تذهب؟

صورتنا الحديثة عن الكون يرجع تاريخها إلى القرن العشرين، حينما توصل العلماء إلى البرهنة على أن الكون يتسع، أي أن كل نقطتين في الكون تبتعدان عن بعضهما البعض، و كلما ازدادت المسافة بينهما ازدادت سرعة تباعدهما.

السؤال الذي يمكننا طرحه في هدا السياق هو كيف تمكن العلماء من البرهنة على تمدد الكون؟ و كيف ساعد هذا الاكتشاف في الإجابة على أحد الأسئلة المطروحة أعلاه؟

يلجأ العلماء إلى تقنية التحليل الطيفي الفلكي بهدف دراسة الأجسام المضيئة/المضاءة في الفضاء، و معرفة مما تتكون، حيث يتم رصد أطيافها باستخدام آلة المطياف. و تكون الأطياف مصحوبة بأشرطة سوداء تدل على وجود عناصر كيميائية معينة امتصت موجات ضوئية مخصصة لتسمح لإلكتروناتها بالانتقال من مستوى ضعيف للطاقة إلى مستوى أعلى.

خلال السنوات 1912/1922م، اكتشف العالم “فيستو سليفر” في مرصد “لويل” بـ “أريزونا” أن الألوان الغائبة من أطياف المجرات البعيدة، و التي تمثل بصمات العناصر الكيميائية، مزاحة في اتجاه الموجات الحمراء بالمقارنة مع مكانها في أطياف النجوم القريبة.

لتفسير هذه الملاحظات، يجب أولا التطرق ل “تأثير دوبلر”.

نعتبر سيارة إسعاف مصدرا للصوت. بما أن السيارة تتحرك بسرعة أبطأ من سرعة الصوت بالنسبة لمشاهد ثابت، فإن الموجات الصوتية تتحرك خارجها. فلنفترض أنها تقترب من المشاهد الثابت. عندما تبعث السيارة الذروة الثانية للموجة الصوتية فإنها ستكون قد اقتربت من الملاحظ، و هكذا فإن الوقت الذي تستغرقه الذروة الثانية حتى تصل إليه سيكون أقل مما تستغرقه لو كانت السيارة ثابثة. و بالمقابل إذا كانت السيارة تتحرك بعيدا عن المشاهد فإن المسافة بين كل ذروتين ستكون أكبر من المسافة بينهما في حالة سكون سيارة بالنسبة للمشاهد. أي أن عدد الموجات التي يتلقاها الملاحظ كل ثانية (التردد) ستكون أقل من تلك التي كان سيسمعها لو كانت السيارة ثابتة.

الصورة أسفله تمثيل للتجربة

في علم الفلك ، يمكن أن يكون هذا المصدر نجمًا تنبعث منه موجات كهرومغناطيسية. يحدث تأثير “دوبلر” عندما يدور النجم حول مركز كتلته ويتحرك نحو الأرض أو بعيدا عنها. و يمكن رؤية هذا التأثير بدراسة طيفها اعتمادا على تقنية التحليل الطيفي الفلكي. عندما يتحرك نجم نحو الأرض، فإن تردد الموجات الضوئية سيزداد، ويصبح طيفها أكثر زرقة. عندما يتحرك النجم بعيداً عنها، يبدو طيفه أكثر احمرارً لأن أقل الموجات الضوئية المرئية ترددا هي الموجة الحمراء.

الصورة أعلاه توضح التأثير بالنسبة للموجات الضوئية

نستنتج إذًا أن زحزحة أطياف المجرات البعيدة في اتجاه الطرف الأحمر تعني أن المسافات بينها و بين كوكب الأرض تزداد.

لا تتحرك المجرات حركة عشوائية، ففي عام 1929، قام العالم “إدوين هابل”، بقياس الانزياحات الحمراء لعدد من المجرات البعيدة، و اكتشف أنه كلما زادت المجرة بُعدا زادت سرعة تحركها بعيدا، و التفسير الوحيد لهذه الملاحظة هو أن الكون يتوسع.

بمجرد أن فهم العلماء أن الكون يتسع، أدركوا أنه في الماضي كان أصغر مما عليه الآن. أي أنه في وقت مضى كان الكون بأكمله عبارة عن نقطة متناهية الصغر و هذا يعني أن للكون بداية.

المصادر:

1 2

3 A Brief History of Time, Stephen Hawking, chapter 3 : The expanding universe