الأخبار

ما المقصود بأفق الحدث للثقب الأسود؟ وما الذي يحدث هناك؟

 تصوّر مأخوذ من محاكاة حاسوب عملاق يوضّح سلوك البوزونات بالقرب من أُفق الحدث لمدار ثقب أسود.

حقوق الصورة: © Kyle Parfrey et al./Berkeley Lab.

يوم الأربعاء 10 أبريل/نيسان، أعلن مشروع تلسكوب أُفق الحدث العالمي عن أول صورةٍ حقيقية لثقبٍ أسود بما في ذلك أفق الحدث الخاص به، ولكن ما هو أُفق الحدث؟

يتعلّق أُفق الحدث للثقب الأسود بسرعة هروب المواد -وهي السرعة المطلوبة للهروب من قوة سحب الجاذبية للثقب الأسود- وكلّما اقترب شخص ما من الثقب الأسود كلّما كبرت السرعة التي يحتاجها للهروب من الجاذبية الهائلة، أُفق الحدث هو العتبة حول الثقب الاسود حيث سرعة الهروب تتجاوز سرعة الضوء.

وحسب النظرية النسبية الخاصة لإينشتاين، لا يمكن السفر في الفضاء بسرعة أكبر من سرعة الضوء، وهذا ما يعني بأنّ أفُق الحدث للثقب الأسود هو نقطة اللاعودة حيث لا يتمكن أي شي من العودة عند هذه النقطة. وهذا الاسم يدلّ على استحالة مشاهدة أي شيء يحدث داخل تلك الحدود، حيث أنه الأفُق الذي لا يمكن الرؤية بعده.

وقال آفي ليوب Avi Loeb رئيس قسم علم الفلك في جامعة هارفارد لموقع space.com: “إنّ أُفق الحدث كجدار السجن المُطلق، حيث يمكن الدخول إليه لكن لا يمكن الخروج منه أبداً.”

عندما يقترب جسيم ما من أُفق الحدث فسيرى المُشاهد صورة الجسيم باهتة وأكثر احمراراً وكأن الجاذبية قد شوّهت الضوء القادم من ذلك الجسيم، وعند أُفق الحدث ستتلاشى هذه الصورة عن الظهور.

وبداخل أُفق الحدث، ستجد متفرّد الثقب الأسود حيث تُشير الأبحاث السابقة إلى أنّ جميع كتل المواد قد انهارت في تمدد لانهائي. وهذا يعني بأنّ نسيج الزمكان (الزمان والمكان) حول ذلك المُتفرّد قد انحنى لدرجة لانهائية وبالتالي تنهار جميع قوانين الفيزياء التي نعرفها حاليا.ً

وأضاف لوب: “إن أُفق الحدث يحمينا من الفيزياء المجهولة بالقرب من المُتفرّد.”

ويعتمد حجم أّفق الحدث على كتلة الثقب الأسود، فإذا ضُغطت الأرض لتتحوّل إلى ثقب أسود، فستكون ذات قطر يساوي حوالي 0.69 إنش (17.4 ميليمتر)، أي أصغر قليلاً من قطعةٍ نقدية. وإذا تحوّلت الشمس إلى ثقب أسود فستكون بقطر ما يقارب 3.62 ميل (5.84 كيلومتر)، اي بحجم بلدة. وإن الثقب الأسود الهائل الذي يرصده تلسكوب أُفق الحدث Event Horizon Telescope أكبر بكثير ويُسمّى ساغيتاريوس Sagitarius A في قلب مجرة درب التبانة، وهو أكبر بحوالي 4.3 مليون مرة من كتلة شمسنا ويُقدّر قطره بنحو 7.9 مليون ميل (12.7 مليون كيلومتر) بينما الثقب الأسود M87 في قلب مجرّة فيرجو virgo A بكتلة حوالي 6 مليارات شمس وبقطر 11 مليار ميل (17.7 مليار كيلومتر).

تعتمد قوّة السحب الجذبوية للثقب الأسود على البعد عنه -كلّما كنت أقرب كلما ازدادت قوّة السحب- ولكن تختلف تأثيرات هذه الجاذبية على الزائر معتمدةً على كتلة الثقب الأسود. فإذا سقطت في ثقب أسود صغير نسبياً حوالي أضعاف كتلة الشمس على سبيل المثال، فأنك سوف تُسحب بعيداً وتتمدّد بعملية تعرف بتأثير السباغيتي spaghettification وتموت تماماً قبل أن تصل إلى اُفق الحدث.

مع ذلك إذا كنت تسقط باتجاه ثقب أسود هائل ملايين إلى مليارات أضعاف كتلة الشمسية، يقول لوب: “لن تشعر بهذه القِوى بدرجة معتبرة”. ولن تموت بتأثير السباغيتي قبل مرورك بأُفق الحدث (على الرغم من وجود العديد من المخاطر حول الثقب الأسود والتي قد تقتلك قبل وصولك إلى تلك النقطة).

وقال لوب بأنه من المرجّح أنّ الثقوب السوداء تدور حول محورها، وذلك لأن النجوم التي نشأت منها عموماً تدور أيضاً، ولأن المادة التي تبتلعها تدور بحركة مغزلية قبل السقوط فيها، وتشير النتائج الحديثة إلى أنّ الثقوب السوداء تستطيع الدوران بسرعات أكبر من 90 بالمائة من سرعة الضوء.

سابقاً، اُفترض بأنّ النموذج الأساسي للثقوب السوداء بأنها لم تكن تدور، وبالتالي من المفترض بأنّ متفرّداتها عبارة عن نقاط. ولكن وبما أنّ الثقوب السوداء تدور عموماً فتشير النماذج الحالية إلى أنّ متفرداتها هي حلقات رفيعة بشكل لانهائي. وهذا ما يقود إلى ظهور أُفق الحدث للثقوب السوداء الدوّارة والمعروفة أيضا باسم كير Kerr black holes مستطيلة الشكل – ومكدّسة عند القطبين، وتنتفخ عند خط الاستواء.

يتجزّأ أُفق الحدث للثقب الأسود الدوار إلى أُفق خارجي وأُفق داخلي، يتمثّل أُفق الحدث الخارجي بأنه نقطة اللاعودة، ويشبه تماماً أُفق الحدث للثقب الاسود غير الدوّار. بينما أُفق الحدث الداخلي للثقب الأسود الدوّار والمعروف أيضاً باسم أّفق كوشي Cauchy فهو غريب، حيث أنّ ماوراء تلك العتبة لم يعد السبب يتقدّم بالضرورة على النتيجة، والماضي لم يعد بالضرورة يُحدّد المستقبل، وقد يكون السفر عبر الزمن ممكناً. في الثقوب السوداء الغير دوّارة، والمعروفة أيضاً باسم ثقوب شفارتزشيلد السوداء Schwarzschild يتطابق فيها أُفق الحدث الداخلي والخارجي.

كما أنّ الثقب الأسود المغزلي (الدوّار) يُجبر نسيج الزمكان المحيط به على الدوران. وهي ظاهرة تُعرف باسم سحب الإطار أو تأثير لينزي Lense-Thirring. كما أنّ سحب الإطار يظهر جليّاً حول الأجسام الكبيرة بما فيها الأرض.

تخلق ظاهرة سحب الإطار دوامة كونية تُعرف باسم أيرغوسفير ergosphere. والتي توجد خارج حدود أُفق الحدث الخارجي للثقب الأسود، وبالتالي تُجبر أي مادة موجودة ضمن هذه المنطقة (الإيرغوسفير) على الدوران بنفس الاتجاه الذي يدور به الثقب الأسود. ويمكن أن تكسب المادة التي تسقط في الإيرغوسفير على سرعة كافية للهروب من قوة السحب الجذبوية للثقب الاسود، حاملةً معها بعض الطاقة من الثقب الأسود، بهذه الطريقة يمكن للثقوب السوداء أن توثر بشكل كبير على المحيط من حولها.

يمكن لعملية الدوران هذه أن تجعل الثقوب السوداء أكثر تأثيراً بتحويل أي شيء يسقط فيها إلى طاقة، ويمكن للثقب الأسود غير الدوّار أن يحوّل حوالي 5.7 بالمائة من كتلة الجسم الساقط فيها إلى طاقة. وذلك وفقاً لمعادلة إينشتاين الشهيرة E = mc^2، في المقابل يمكن للثقب الأسود الدوّار أن يحول ما يزيد عن 42% من كتلة الجسم إلى طاقة، وذلك حسبما حدّد العلماء.

يقول لوب: “هذا له نتائج هامة على البيئات المحيطة بالثقوب السوداء، حيث كمية الطاقة من الثقوب السوداء الهائلة في مراكز جميع المجرات الكبيرة يمكن أن تؤثر إلى حدّ كبير على تطوّر تلك المجرات”.

إنّ العمل الأخير قد أربك كثيراً التصوّر التقليدي للثقوب السوداء، ففي عام 2012 اقترح الفيزيائيون بأنّ أي شيء يسقط باتجاه الثقب الأسود ربما يواجه “جدراناً نارية” بداخل أو بالقرب من أُفق الحدث التي تسحق أي شيء يسقط فيها، وذلك لأنه عندما تتصادم الجسيمات، يمكنها أن تتصل بشكل غير مرئي عبر رابط يسمّى التشابك entanglement، ويمكن للثقوب السوداء أن تكسر هذه الروابط مُطلقةً كميات هائلة من الطاقة.

ويضيف لوب بأن بأن الأبحاث الأخرى التي تهدف إلى توحيد النسبية العامة والتي يمكنها تفسير طبيعة الجاذبية باستخدام ميكانيكا الكم، وتصف سلوك كل الجسيمات المعروفة، تُشير إلى أنّه ربما الجدران النارية غير موجودة – لأنّ أُفق الحدث بحد ذاتها ربما غير موجودة أيضاً. ويقترح بعض الفيزيائيين أنه عوضاً عن الحافة التي لا يمكن لشيء العودة منها، فإن ما نعتقده الآن بأنه ثقوباً سوداء ربما في الواقع هي نطاق من المواد الشبيهة بالثقب الأسود التي تفتقر إلى أُفق الحدث، وكما تُسمّى كرات الزغب Fuzzbulls.

وبالتقاط صورة لحواف الثقوب السوداء يستطيع تلسكوب أفق الحدث مساعدة العلماء بتحليل أشكال وسلوكيات أُفق الحدث.

وأضاف لوب: “يمكننا استخدام هذه الصور لاثبات النظريات المتعلقة ببنية الثقوب السوداء، بالإضافة لذلك، فعن طريق صورة تلسكوب أفق الحدث، يمكننا اختبار التخمينات كرة الزغب حيث لايكون أُفق الحدث حدّاً فاصلاً واضحاً بل غير واضح.”