أمراض

ما العلاجات الطبية المتقدمة؟ وما مستقبلها؟

يسعى العلماء إلى فهم آلية عمل المورثات منذ خمسينيات القرن الماضي حينما اكتشفوا أن المعلومات الوراثية للكائنات الحية محفوظة على شكل تسلسلات نكليوتيدية.

وأدى التطور في طرائق الكشف عن تسلسلات النكليوتيدات في المورثات البشرية إلى تسارع وتيرة فهم آلية عمل المورثات. وأصبحنا نعلم أن أي تغير في تسلسل نكليوتيدي واحد (أي عند حدوث طفرة) قد يسبب تغيرًا في نشاط البروتين مؤديًا إلى خلل في وظيفة الخلية والعضو الذي تنتمي إليه، خصوصًا إن كان للبروتين الطافر وظيفة مركزية في الخلية.

ووجدت الأبحاث أن كثيرًا من الأمراض المستعصية والمتلازمات النادرة تعود إلى أسباب وراثية؛ أي إلى خلل في التسلسل النكليوتيدي. ولهذا تسارعت الخطى للبحث عن طريقة للتدخل وإصلاح الخلل في التسلسل النكليوتيدي.

نشرت أول ورقة بحثية تحدثت صراحة عن العلاج الجيني في العام 1972، وأنفقت بعد ذلك مبالغ طائلة لإيجاد طريقة لحل مشكلة الخلل الجيني لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، إلى أن اكتشف علماء الأحياء الدقيقة في العام 2013 طريقة للسيطرة على معقد أنزيمي نكليوتيدي يغير تسلسل المادة الوراثية لفيروسات تهاجم البكتيريا التي تحتوي ذلك المعقد الأنزيمي ما يؤدي إلى إضعاف قدرة الفيروسات على تدمير الخلية البكتيرية. واستطاع العلماء بفضل تلك الآلية وتقنيات نقل الجين المفرد لأول مرة في تاريخ البشرية تعديل الجينوم البشري داخل الخلية الحية بصورة انتقائية،  وبهذا نجح العلماء في تعديل المورثات المسببة للأمراض.

نتج عن تلك اكتشاف تلك التقنيات آليات علاجية شتى تُطبق في حالات مرضية مختلفة، وتشمل تلك العلاجات: العلاج الجيني، والعلاج الخلوي، والعلاج عن طريق استبدال النسج المتضررة.

العلاج الجيني

يسعى هذا إلى تعديل الجينات المسببة للخلل الوظيفي للخلية فتصبح شبيهة بالخلايا السليمة.

ويتضمن هذا النوع من يتضمن عدة آليات، أهمها استبدال المورثة المسببة للمرض بنسخة سليمة منها، أو تثبيط المورثة المسببة للمرض التي لا تعمل بصورة صحيحة، أو تنشيط مورثة في الجسم تساعد في الشفاء من المرض.

ولتنفيذ هذه الإصلاحات الجينية تستخدم نواقل جينية متخصصة باستهداف خلايا عضو محدد عن طريق برمجتها للوصول للخلايا الهدف.

حقق هذا النوع من العلاجات تقدمًا كبيرًا في مجال الدراسات السريرية على مرضى الأمراض الوراثية والنادرة. ومع أن تكلفته مرتفعة جدًا إلا أنه يتمتع بفاعلية عالية أثبتت كفاءتها في إصلاح الخلل الوظيفي للخلايا.

العلاج الخلوي

وهو معالجة الخلايا المريضة -مثل الخلايا السرطانية- بالقضاء عليها عن طريق خلايا أخرى تهندس وراثيًا للتعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك، الأنيتجين المعدل لوظيفة الخلايا التائية ما يمكنها من التعرف على الخلايا السرطانية الدموية والقضاء عليها. ومع أن هذا العلاج مرتفع التكلفة أيضًا لكنه أثبت نجاحه في علاجات أنواع مختلفة من سرطانات الدم.

هندسة النسج

وتعني تنمية نسيج حي جديد من خلايا سليمة مأخوذة من جسم المريض نفسه. تنمى هذه الخلايا على ركيزة بيولوجية كي تعطيها المتانة والليونة في آن. ويزرع النسيج المنمى في المختبر مكان النسيج التالف.

ويتابع النسيج المزروع نموه وتطوره في جسم المريض ويصبح جزءاً من باقي العضو بعد فترة وجيزة.

هذا العلاج مرتفع التكلفة أيضًا، إذ يتطلب استخراج خلايا من جسم المصاب وتنميتها مخبريا ثم اختبار النسيج المتكون وإعادة زراعته في جسم المصاب.

الاتجاه المستقبلي

حققت العلاجات الطبية المتقدمة تقدمًا ملحوظًا في السنوات الثلاث الماضية، إذ أظهرت الأبحاث -وخصوصًا بعد التقدم في تقنيات التعديل الجيني- أن تعديل المورثات ممكن داخل جسم الإنسان دون الحاجة لاستخراج الخلايا وإعادة زراعتها في الجسم.

لا ريب أن أكثر المرضى استفادة من هذا النوع من العلاجات هم مرضى السرطانات المختلفة، والمصابون بالأمراض الوراثية والأمراض النادرة التي لا علاج لها بالعقاقير التقليدية. فمثلًا، أظهرت التجارب على مرضى الهيموفيليا أن العلاج ممكن بإصلاح المورثتين المسؤولتين عن العامل رقم 8 والعامل رقم 11، ما يؤدي إلى منع نزف الدم في مناطق المفاصل والنسج الرخوة.

وأجريت تلك التجارب على سبعة متطوعين، وأظهرت النتائج أنه بعد 22 أسبوعًا من جرعات المورثة الخاصة بالعامل رقم 8 لم يعد أحد من المرضى بحاجة للعلاج بل شفي جميع المصابين من مرض الهيموفيليا.

بلغ عدد الأمراض الوراثية التي صنفها المركز الوطني للمعلومات البيولوجية في الولايات المتحدة 4603 أمراض، وحاز عدد قليل جدًا من العلاجات الوراثية لأمراض معينة على ترخيص استخدامها سريريًا، لكن التكلفة المرتفعة لهذه العلاجات جعل انتشارها بطيء نسبيًا، إذ تبلغ تكلفة أرخص علاج جيني لمعالجة سرطان الجلد 357 ألف دولار، وهو من العلاجات التي تنتجها شركة أمجين في ألمانيا.

ويأمل العلماء أن يجدوا قريبًا طرائق لاستخدام العلاج الجيني في علاج أمراض مستعصية أخرى -مثل ألزهايمر والتصلب اللويحي- فهي تصيب كثيرًا من الناس في مختلف دول العالم.

مراجع للاستزادة

https://www.ema.europa.eu/en/human-regulatory/overview/advanced-therapy-medicinal-products-overview

https://www.amgenpipeline.com/pipeline/

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/29625577

http://www.genetherapynet.com/strimvelis.html

https://www.molmed.com/en/node/31

https://www.chiesi.com/en/therapeutic-areas/rare-diseases/

مرجع عن نتائج الاختبارات السريرية للعلاج الجيني

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6466472/

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5328344/

د. محمد توتونجي

– المصدر: ما العلاجات الطبية المتقدمة؟ وما مستقبلها؟ على موقع مرصد المستقبل.