الإمارات

مستقبل الزراعة المائية وتأثيرها في الاقتصادات المحلية

في ظل شح المياه وتقلص المساحات القابلة للزراعة في مناطق عدة حول العالم، تبرز أهمية تقنية الزراعة المائية، لتشكل حلًا محتملًا يتصدى لتحديات الأمن الغذائي والمائي، وداعمًا أساسيًا للاقتصادات المحلية.

والزراعة المائية منهج حديث، يمثل ثورة مستقبلية تمهد لتغيير استراتيجي في عالم الزراعة للتحول من الطرائق التقليدية إلى طرائق حديثة أثبتت نفسها كبديل حيوي ومهم في ظل تحديات التغير المناخي والبيئي ومحدودية الموارد الطبيعية والاقتصادية.

استنزاف الموارد المائية

وتعاني مخزونات المياه الطبيعية في مختلف مناطق العالم من استنزاف مستمر، وتصنف المنطقة العربية ضمن المناطق شحيحة المياه، في ظل ارتفاع حرارة صحاريها. إذ تحتوي بعض أدنى مستويات موارد المياه العذبة في العالم، وهذه المخزونات الجوفية غير المتجددة أساسًا تستزف باستمرار، حتى أن كمية المياه العذبة المتاحة انخفضت بنسبة 60% خلال 40 عامًا الأخيرة. ويتوقع انخفاض نصيب الفرد من المياه بنسبة 50% بحلول العام 2050.

وفي منطقتنا، تستأثر الزراعة بنسبة 85% من هذا الاستخدام، ولهذا من المرجح أن تعاني من أكبر نقص. وقد تكون العواقب على سبل العيش، والاقتصادات، والأمن الغذائي في المناطق الريفية خطيرة. وفي هذا السياق، فإن توفير المياه ليس مجرد ممارسة جيدة، بل قد تصبح الممارسة الوحيدة في القريب العاجل؛ وفقّا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو.)

ويضم العالم العربي 6% من سكان العالم وأقل من 2% من الموارد المائية المتجددة في العالم. فهي المنطقة الأكثر جفافًا في العالم، إذ تحتوي على 12 بلدًا في العالم من حيث ندرة المياه؛ الجزائر والبحرين والكويت والأردن وليبيا وسلطنة عمان وفلسطين وقطر تونس واليمن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ولا يتجاوز متوسط توفر المياه 1200 متر مكعب، أي أقل بنحو 6 مرات عن المتوسط العالمي البالغ 7 آلاف متر مكعب. ولا تستطيع معظم بلدان المنطقة تلبية الطلب الحالي على المياه بشكل مستدام. ومع نمو السكان وزيادة الطلب، فإن نصيب الفرد من وفرة المياه سينخفض إلى النصف بحلول العام 2050.

وتظهر دراسة استمرت 7 أعوام وانتهت في العام 2009، أن معدل فقدان احتياطي المياه العذبة في المنطقة يعادل تقريبا حجم البحر الميت بأكمله ما يجعله أعلى معدل لفقدان المياه العذبة على وجه الأرض خلال ذلك الوقت، وفي الوقت ذاته تسجل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعض أعلى معدلات استهلاك المياه للفرد في العالم. وتشهد أيضًا أكبر الفجوات بين إمدادات المياه المتجددة والطلب؛ فالبحرين -مثلًا- تستخدم 220% من احتياطي المياه المتجددة لديها مقابل 943% في السعودية و246% في الكويت.

وخلال العقود الثلاثة الماضية، انخفض مستوى المياه الجوفية في الإمارات نحو متر واحد كل عام. وبالمعدل الحالي، من المقدر أن تستنفد الإمارات مواردها من المياه العذبة الطبيعية خلال نحو 50 عامًا.

ويُرجَّح أن يسفر عن تغير المناخ انخفاض معدلات هطول الأمطار بنسبة 20% وزيادة معدلات التبخر ما يزيد من ندرة المياه؛ ففي سورية -مثلًا- قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة ونقص هطول الأمطار والأحداث المناخية غير المتوقعة إلى تصحر 60% من أراضيها؛ وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي.

ولهذا فإن الممارسات الزراعية الأكثر كفاءة في استخدام المياه توفرها لاستخدامها لأغراض أخرى. ويعتمد حسن إدارة الموارد المائية على سياسات الري الجيدة. وتقدم الزراعة المائية التكاملية حلًا مناسبًا لإنتاج الخضار والفاكهة والأغذية الأخرى، في الأراضي الصعبة أو غير القابلة للاستخدام. وتجسد طريقة لتزويد الأهالي بالأغذية المُنتَجة محليًا وتعطيهم البروتين والمعادن التي يحتاجون إليها، دون الاستخدام المكثف للمياه.

تجارب محلية

وشهدت المنطقة العربية تجارب ناجحة في الزراعة المائية، على الرغم من أنها ما تزال في إطار الفردية، دون أن تدخل في معظمها إطار العمل التجاري على نطاق واسع؛ ومن تلك التجارب تجربتان رائدان في فلسطين إحداهما في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة المُحاصَر.

وأسس الفلسطيني معروف الرباع في مدينته نابلس دفيئة تبلغ مساحتها 80 مترًا مربعًا، بالاعتماد على نظام الزراعة المائية، لإنتاج أربعة أنواع من الفلفل كخطوة أولى، ثم استنبات أنواع أخرى والتوسع في إدخال منتجات جديدة، إلى جانب إنتاج الأسماك والأحياء المائية، وبيعها، مؤسسًا شركته الخاصة التي سماها بيتريكور للزراعة المائية.

وقال الرباع في حديث خاص لمرصد المستقبل، إن «اهتمامي بالزراعة المائية بدأ كفكرة منذ العام 2014، من واقع متابعتي لمشكلات يعاني منها القطاع الزراعي في فلسطين وعقبات يواجهها المزارعون بسبب العوامل السياسية والبيئية والاقتصادية، وأيضًا هواية ورغبة توطدت بعد ذلك من خلال البحث والقراءة لتصبح شغفًا، إذ عكفتُ على بناء أول نظام زراعة مائية بسيط من أجل التعلم والتجريب. وبعد مزيد من التعمق والبحث والاستفادة من خبرة الآخرين في العالم قررت التوسع في الفكرة لتصبح مشروعًا ومهنة.»

وأضاف «بشكل عام فإن المشروع أصبح مرتكزًا على فكرة نظام زراعة مائية نموذجي كأساس في تصميم أنظمة مشابهة، على اختلاف أنواعها، وتنفيذها بشكل تجاري، وكذلك إنتاج النباتات والأحياء المائية وتصنيع مكونات أنظمة الزراعة المائية المختلفة بالتوازي مع إنتاج المزرعة ذاتها من المحاصيل. فضلًا عن تدريب المزارعين والباحثين والمهتمين.»

وتابع «لا ريب أن تبادل الخبرات مع المشاريع المشابهة في العالم رفد المشروع بالخبرة والمعرفة والتقنيات وعززنا بالقدرة على إيجاد الحلول لمختلف المشكلات والعقبات التي تواجه عملية تشغيل ومتابعة وصيانة الأنظمة، ومنحنا فرصة التعرف إلى أحدث الابتكارات في هذا المجال ومشاركة أفكارنا التقنية أيضًا، إذ أن التحديات في بلادنا تفرض علينا الإبداع في إيجاد الحلول لمشكلات لا توجد في مناطق أخرى من العالم.»

وأشار الرباع إلى أن المستقبل يتجه نحو انتشار الزراعة المائية انتشارًا عالميًا واسعًا بصفتها تقنية متقدمة وناجعة للإنتاج الزراعي النموذجي، إذ لا عوائق من انتشار المزارع المائية في كل مكان حتى في المساحات الخاصة في المنازل وغيرها لسهولة تطبيقها وعدم حاجتها للتربة أو المساحة الكبيرة، على الرغم من الصعوبات المتعلقة بقلة خبرة المزارعين بالتقنية الحديثة.

وفي تجربة أخرى؛ نجحت مهندسة زراعية فلسطينية في إدخال تقنية الزراعة المائية إلى قطاع غزة في محاولة طموحة لتوفير محاصيل زراعية والتصدي لظروف حصار اقتصادي خانق يعاني منه قطاع غزة.

وأطلقت المهندسة إرادة إبراهيم الزعانين، على مشروعها اسم «بريث» للزراعة المائية، وتعتمد فكرته على الزراعة دون تربة، والاكتفاء باستخدام أوساط مائية في عمليات الإنتاج.

والمشروع هو الأول من نوعه في قطاع غزة لزراعة المحاصيل الثمرية بتقنية الزراعة المائية (الهيدروبونيك) إذ نجحت الزعانين في إنتاج أصناف من الخضار الثمرية باستخدام الأحواض العميقة؛ ومنها محاصيل البطيخ المطعم والخيار والبصل والكوسا والفلفل الأسود والباذنجان والفاصوليا والطماطم.

وقالت الزعانين في حديث خاص لمرصد المستقبل «بدأت بتنفيذ المشروع في فبراير/شباط الماضي، وحاولت جاهدة محاكاة ما يعرضه الإنترنت عن هذه التقنية لكن الإمكانيات المحدودة في قطاع غزة وقفت عائقًا أمام استخدام التقنيات الحديثة والمتطورة في الزراعة المائية، على الرغم من السعي الحثيث والمحاولات العديدة لتطوير الإمكانيات، لكن لم يحدث أن تشابهت مع التقنية في الدول الأخرى.»

وأضافت إن «المشروع يهدف للحصول على مصدر دخل ثابت في ظل غياب فرص العمل وزيادة نسب البطالة قطاع غزة المُحاصر، فضلًا عن اعتباره مُختبرًا ومحطةً للتجارب للأصناف غير الموجودة في القطاع والتحقق من نجاح زراعتها.»

وفي الجزائر؛ صمم الباحث الجزائري الدكتور جلول عبد العالي وزميله عمريو عبد الباسط، بيتًا بلاستيكيًا ذكيًا، يُتحكَّم به آليًا عن بعد، لإدارة معظم العوامل المناخية المؤثرة على نمو النباتات والحيوانات؛ مثل الرطوبة ودرجة الحرارة وشدة الضوء ونوعيته. وزود الباحثان البيت البلاستيكي بالطاقة الشمسية، وكاميرا لمراقبة وتسجيل جميع أطوار نمو النباتات والحيوانات داخله.

وتبلغ مساحة البيت البلاستيكي الذكي 6 أمتار مربعة، وهو مغلف بألواحٍ بولي كربونية تسمح بمرور الضوء وتتحمل تقلبات الطقس، وتعتمد الدفيئة على نظام زراعة الهيدروبونيك؛ أي الزراعة خارج التربة، القائمة على زراعة بذور النبات أو الشتلات في محلول مائي مغذ، يحتوي على عناصر أساسية يحتاجها النبات، وتتراوح بين 12 و16 عنصرًا، أو زراعة النبات في مادة صلبة خاملة، لا تتفاعل مع المحلول المغذي للنبات. وبهذه الطريقة يُستغنى عن اللجوء إلى استخدام مخصبات كيمائية يتسرب منها -عادةً- الفائض عن حاجة النبات، وتحمي زراعة الهيدروبونيك، النبات من آفات قد تهاجمه من خلال التربة، كما في الزراعة التقليدية.

وأدخل الباحثان إلى الدفيئة، نظام إنتاج حيواني سمكي، قائم على نظام الزراعة المزدوج؛ الأكوابونيك، وهو حلقة مغلقة تكاملية بين النبات والأسماك، بالاعتماد على مخلفات الأسماك في تغذية النبات وتغذية الأسماك من مغذيات النبات التي تضاف إلى الماء من كالسيوم وبوتاسيوم ونيتروجين.

ويأخذ النبات في نظام أكوابونيك دور الفلتر البيولوجي، إذ تتخمر فضلات الأسماك وبقايا تغذيتها، وينتج عنها مركب النتريت، ثم يتحول بالتخمر إلى نترات، ثم إلى غاز الأمونيا القاتل الذي يقضى على حياة الأسماك، ودور النبات هنا أنه يمتص النترات الطبيعية كسمادٍ عضوي له ويحول دون تحوله إلى أمونيا.

وقال عبد العالي، في حديث خاص لمرصد المستقبل «للتخلص من سمية الأمونيا أقحمنا بكتيريا تحولها إلى نيترات، وهذه البكتيريا تسمى النيتروزوموناس والنيتروباكتر، أو ما يسمى البيوفلوك، ويتعايش معها السمك دون أي خطر على سلامته.»

وأضاف «لمساعدة النبات على النمو وتعزيز فعالية امتصاصه للمغذيات الموجودة في ماء السمك، أدرجنا فطريات الميكوريزيا، التي تتعايش مع جذور النبات، وتساعد على امتصاص مكونات يصعب على الجذور امتصاصها عادةً، وبذلك نضمن إنتاجًا عاليًا من النباتات والأسماك في وقت واحد وقصير، إذ أصبحت مثل هذه المنتجات الصحية تلقى رواجًا في الأسواق.

ميزات الزراعة المائية

وتُصنَّف الزراعة المائية على أنها من الطرق الحديثة، وهي لا تحتاج إلى تربة، بل تعتمد على المياه بالكامل لتوفير احتياجات النباتات من الغذاء اللازم للنمو، بما يتناسب والمساحات الصغيرة، وهي اقتصادية وصديقة للبيئة ولا تحتاج إلى أسمدة كثيرة ولا مبيدات، وكل ما تحتاجه مواد أساسية؛ مثل المواسير البلاستيكية والخيوط والمحاليل المُغذية.

ولعل أبرز ما يميز الزراعة المائية هو الحد من الهدر وتوفير المياه بنسبة تصل إلى90%، إذ يعتمد النظام على إعادة استخدام المياه وعدم التخلص منها، باستخدام مضخة هواء تحرك المياه وتمنع نمو الفطريات اللاهوائية الضارة فيها. وتقلل الزراعة المائية من استخدام المبيدات الزراعية بشكل كبير جدًا، لعدم الحاجة لاستخدام معقمات التربة المعروفة بتسببها بأضرار على البيئة والإنسان.

وتقلل الزراعة المائية كذلك، من استخدام الأسمدة الزراعية، ما يسهم في تخفيض تكلفة المادية للإنتاج الزراعي ويحد من مشكلات تلوث المياه الجوفية بالأسمدة. فضلًا عن توفير الوقت والجهد لأن المياه موجودة في أحواض الإنتاج بشكل دائم، ما يغني عن عمليات الري والتسميد التي تشكل عادةً عبئًا على المزارع. وتقلل الزراعة المائية أيضًا من حدة مشكلة تفتيت الملكية الناتجة عن عمليات توزيع الميراث إذ تشجع على استخدام المساحات الصغيرة في عمليات الإنتاج.

مهند الحميدي – مرصد المستقبل

– المصدر: مستقبل الزراعة المائية وتأثيرها في الاقتصادات المحلية على موقع مرصد المستقبل.