الأطفال

كيف سيتعلم الأطفال وتقيّم معلوماتهم في المستقبل؟

دور المعلم

من له الأفضلية في اختيار سبل تقييم أطفالنا في المستقبل؟ هل تفضل أن يقيم طفلك إنسان أم برنامج حاسوب؟ قبل أن تجيب «الإنسان طبعًا» لمجرد أنك نشأت على هذا أو اعتدت عليه، عليك أن تفكر بعمق أكبر، فربما يكون استخدام الحاسوب والذكاء الاصطناعي في تعليم طفلك وتقييم درجاته أنفع له، أو ربما يكون المستقبل المتوقع لتطوير مجال التعليم.

حينما كان كل منا في مرحلة الدراسة الأولى كنا نظن أن مدرسينا، على غرار آبائنا، يعرفون كل شيء. وكنا نراهم مراجع تملك معلومات لا نهائية لكل سؤال، وظننا أن ما من سؤال يستحيل عليهم إجابته، وكان المعلمون حينها مصدرنا الوحيد لاكتساب المعلومات. وبعد أن تقدمنا قليلًا في العمر تعلمنا أن بإمكاننا البحث عن الإجابات في مصادر أخرى، مثل الموسوعات العلمية. وقبل ظهور جوجل وويكيبيديا، كان لدينا أسك جيفز وموسوعة بريتانيكا في بدايات الاعتماد على الإنترنت كمصدر للمعلومات. وهكذا أصبح بإمكاننا أن نجد المعلومات عبر الإنترنت إضافة إلى معلمينا الذين كانوا يمثلون سلطة «المعرفة» بالنسبة لنا. لكن بعد ازدياد الاعتماد على التقنية وانتشار استخدامها، أصبحت مكانة المعلم بصورته التقليدية محل تساؤل وجودي. فهل ما زلنا بالفعل بحاجة إلى تلقي العلم من المعلمين؟

الإجابة باختصار، نعم. لكن هذا لا يعني أن دور المعلم سيبقى على حاله ولن يتغير مستقبلاً. فاليوم حينما نتحدث عن التعليم، فإننا لم نعد نعني القراءة والكتابة فحسب، بل أصبح الهدف تطوير قدرات الأطفال ليصبحوا «مستعدين للمستقبل.» واليوم فإن التركيز الأكبر يقع على تربية الأطفال بطريقة تعزز لديهم التفكير المبدع والخلاق، وتحثهم على التعاون مع أقرانهم، وتنمي لديهم مشاعر التعاطف والذكاء العاطفي، مع تعلم التعامل مع التقنيات الرقمية طبعًا. وهكذا لم يعد دور المعلم أن يكون «مصدر المعرفة،» بل تطور ليصبح «مدرب المعرفة.»

تقنيات داعمة

لدى المدرسون في الصف الدراسي اليوم أشكال متعددة من الأدوات التقنية لمساعدة الأطفال على التعلم، وإعدادهم بصورة أفضل للمستقبل. والمجال الأول الذي توفر به التقنية المساعدة هو تنفيذ المهام الإدارية التي تستغرق كثيرًا من أوقاتهم. فاستخدام البرامج لتأدية مهام إدارية مثل تخطيط الدروس، وجدولة الدرجات، يتوفر وقت أطول للمعلمين للاهتمام بالأطفال. ولأن الذكاء الاصطناعي أصبح متقدمًا أكثر، فمن الأفضل أيضًا إجراء تقييم فردي لكل طالب. يتيح ذلك للمعلمين والمدارس تقديم تجارب مخصصة لرعاية كل طالب على حدة، وتقييم المجالات التي يجدون فيها صعوبة بصورة أدق.

ويؤدي التضافر بين الذكاء الاصطناعي والتقنية إلى خلق أجواء تفاعلية أكثر تساعد الأطفال على التعلم بصورة أفضل وبالطريقة التي تناسبهم، خاصّة أن تطورات أنظمة التعليم الحالية تعكس تحول العالم نحو توجهات أكثر تركيزًا على الإنسان، وعلى انخراطه في تجارب تتمركز في جوهرها على الفرد، مع الوعي بأن التعلم يجب ألا يمارس في غرفة الصف فقط أو في وقت محدد.

إن ما يطلق عليه البعض »التعلم عند الطلب» يتم في أي وقت ودون تحديد المكان. فتطوير التعلم بشكل أكثر تخصيصًا وتعقبه من خلال الذكاء الاصطناعي أصبح متوفرًا في أي مكان، فما الحاجة إلى مواصلة استخدام قاعات الدراسة؟ والأهم من ذلك كيف ندرب الطلاب على المهارات الأكثر أهمية؟ وهل بإمكانهم تحصيلها بمفردهم؟ وهل الاعتماد على كل هذه التقنيات ضمن الصفوف الدراسية يعد شيئًا جيدًا؟

آثار سلبية

تراكمت بعض الأدلة على أن التنقية لا تحسّن علامات الاختبار، بل قد تصبح سببًا في تشتيت انتباه الطلاب. لم يجد تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أي دليل على تحسن درجات اختبارات الطلاب بسبب اعتماد المدرسة على أجهزة الكمبيوتر. وقال أندرياس شليشر مدير التعليم في المنظمة »إن الطلاب الذين يعتمدون على الأجهزة اللوحية والحواسيب بصورة مستمرة يقدمون أداءً أسوأ غالبًا من أولئك الذين يستخدمونها باعتدال.» وقد يشكل انتشار الحواسب والتقنية في الصفوف أيضًا عاملًا ملهيًا لهم. وقالت سوزان دينارسكي أستاذة التعليم والسياسة العامة والاقتصاد في جامعة ميشيغان ضمن مقال في صحيفة نيويورك تايمز أن الأطفال الذين يستخدمون الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية في المحاضرات «يسجلون درجات أسوأ، الأبحاث تؤكد هذا، أجهزة الحاسوب المحمولة تعمل على صرف الانتباه عن التعلم، سواء كان ذلك لمستخدميها أو من يجلسون حولهم.»

فهل هذا يعني أن التقنية وتبعات تطورها أمر سلبي بالضرورة؟ أم أننا لم نتعلم كيفية استخدامها جيدًا في بيئة تعليمية؟ عندما ننظر إلى العالم الواقعي نرى عدد الإغراءات مثل متابعة التحديثات على هاتفك طوال يوم عملك أو في غرف الاجتماعات. والواقع أن الشركات المصممة أبدعت في إنشاء تطبيقاتها بحيث تشجع الأطفال على استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية قبل أن يتعلموا التحدث. فهل هذا يعني أنه يجب علينا أن نعرض أطفالنا لمثل هذه المؤثرات عندما يكون جل اهتمامهم مطلوب للتعلم الذي يحتاجونه؟ هذه بعض الأسئلة التي يجب علينا نحن كآباء العثور على إجابة لها ويتعين على المجتمع التعامل معها مستقبلًا.

الذكاء الاصطناعي والعامل البشري

لا ينكر أحد دور التقنية في الصفوف الدراسية، حين يعمل الذكاء الاصطناعي على تحليل مهارات طفلك فيقدم له المعلومات بوتيرة تناسب قدراته، إسهام المعلم في التدريب ومنحه اللمسة الإنسانية لتوجيه خلال تلك العملية.  ويؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى التخلص من التحيز البشري لدى المعلم ليبقى المعلم المصدر الرئيس للإلهام وتحفيز الطلاب.

إلا أن ترك مسؤولية التعليم على التقنية يبقى خيارًا خطرًا، بدلًا من عدم استخدامها أداة فحسب. فنحن كمجتمع نحاول التصدي لآثار التطور التقني السريع ولم يعد لدينا الوقت اللازم لدراسة آثاره قبل أن تظهر التقنية التالية. فمثلًا يلاحظ ارتباط متزايد بين استخدام الشاشات وزيادة شكوى الشباب من أعراض قرب النظر. في حين أن العلماء لا يعرفون بالضبط لماذا يزداد حاليًا عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى النظارات الطبية. وقال الدكتور ديفيد إيلي المتحدث باسم الأكاديمية الأمريكية لطب العيون «عندما كان الجيل إكس صغيرًا بعد في مرحلة السبعينيات، كان يوجد نحو 20% من الأطفال في الولايات المتحدة بحاجة إلى نظارات طبية. والآن ارتفع هذا العدد إلى 40% تقريبًا» ولا ريب أن تسارع الوتيرة المقلقة للتطور التقني يجعل من الصعب دراسة التأثيرات التي يحدثها.

هذا ما يسبب حالة الخوف من التقنية. فهل ستقودنا التقنية إلى طريق الأمان؟ وهل سنتمكن من العودة إذا ما اكتشفنا أن الآثار الضارة كبيرة جدًا؟ ولهذا من المهم أن نفهم كيف يمكننا استخدام التقنية بشكل صحيح كأداة ووسيلة لمساعدة أطفالنا على التعلم والتطور في المستقبل. وحينها نستخدم التقنية لمساعدتنا على فهم أفضل التوجهات لخدمة متطلبات دعم الاقتصاد وتأهيل أطفالنا وتمكينهم من المهارات اللازمة التي يتطلبها ذلك. وسيتحسن الترابط بين قطاعي التوظيف والتعليم من خلال تحليلات البيانات في الصفوف، ليتمكن كل طفل من أن يصل إلى المستوى ذاته لكن بطريق مختلف عن رفاقه، إذ سيسلك سبيلاً مصمم خصيصًا له.

– المصدر: كيف سيتعلم الأطفال وتقيّم معلوماتهم في المستقبل؟ على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.