أبحاث

هل نتمكن مستقبلًا من تحويل المريخ إلى كوكب صالح لاستقرار البشر؟

بدأ مفهوم إعادة تشكيل المريخ وتحويله إلى كوكبٍ قابلٍ لاستضافة البشر، بالظهور في الثقافة الشعبية منذ أوائل القرن العشرين، ودخل جميع الميادين من الكتب والأفلام إلى ألعاب الفيديو. وربما كانت فكرة تحويل المريخ إلى أرض ثانية مجرد فكرة خيالية سابقًا، ولا تزيد عن كونها فكرة نظرية شأنها شأن الوصول إلى ذلك الكوكب.

وظهر المريخ في العام 2020 على الرغم من ذلك في جدول الأعمال، إذ تسعى الوكالة الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) وشركتي سبيس إكس وفيرجن جالاكتيك الأمريكيتين،  إلى الوصول إلى الكوكب الأحمر، وحدد بعضهم موعد وصول البشر إليه بحلول العام 2030. وبينما يعمل العلماء على الانطلاق إلى المريخ تبين عدم إمكانية إعادة تشكيل المريخ غالبًا.

تحت الضغط

ويبلغ المريخ نحو 70% من حجم الأرض، وله غلاف جوي أغلبه من ثاني أكسيد الكربون، ويتميز بمتوسط درجة حرارة -62 درجة مئوية. ويفتقر الكوكب إلى الحماية من الإشعاع نظرًا لرقة غلافه الجوي الشديدة.

وتُنتج هذه الظروف مشكلات عديدة في حال عزم البشر على الإقامة الطويلة فيه. وتتناول إعادة تشكيل الكوكب خلق غلاف جوي أسمك وزيادة الضغط الجوي. والوصول إلى هواءٍ صالح للتنفس في حال رفعنا سقف طموحاتنا. وربما يتسنى لمزارعي المريخ مستقبلًا رعاية نباتات زرعوها في تربة غنية بالميكروبات. ويمكن للمريخ الاعتماد على ذاته في الطعام والماء.

أفكار إعادة التشكيل

وتوجد مجموعة أفكار متراكمة عن إعادة تشكيل المريخ، وتبدو جميعها أفكارًا جامحة. وتتعلق الأفكار غالبًا بإدخال غازات دفيئة إلى الغلاف الجوي بكميات كبيرة، وذلك بإطلاقها من جليد وتربة الكوكب.

وكتب الباحثان روبرت زوبرين وكريس ماكاي، في العام 1993، ورقة بحثية تحلل نظريات إعادة تشكيل الكوكب الأحمر. وترتكز إحدى النظريات على بناء مرايا مدارية عملاقة لعكس أشعة الشمس نحو الكوكب لرفع درجة حرارته وإذابة مائه المتجمد لإطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون إلى غلافه الجوي. وتدور أفكار أخرى حول بناء مستوطني المريخ لمصانع هدفها الأساسي إطلاق الغازات الاصطناعية الدفيئة كغازات الكلوروكربون. وقد يُسخِّر البشر كويكبات غنية بالأمونيا ويوجهونها لضرب المريخ.

واقترح إيلون ماسك، مؤسس شركة سبيس إكس، فكرة قصف المريخ بالقنابل النووية، إذ يؤكد ماسك إن إسقاط القنابل النووية على القمم الجليدية سيذيب الجليد، ما يطلق كمية كافية من غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء. ولكن اتضح أن البشر لا يمكنهم تنفيذ أيٍّ من تلك الخطط.

ونقل موقع سي نت الأمريكي عن كاليب شارف، مدير علم الأحياء الفلكي في جامعة كولومبيا الأمريكية، أن «إعادة تشكيل المريخ عملية على نطاق جنوني يتجاوز إلى حد كبير أي هندسةٍ جربناها على الإطلاق كبشر، وستكون رحلة طويلة وصعبة» وستحتاج إلى أجيال متعاقبة لتقوم عليها.

وأصدر الباحثان بروس جاكوسكي وكريستوفر إدواردز، في يوليو/ تموز 2018، دراسة توضح عدم امتلاك البشر حاليًا للتقنية اللازمة لتنفيذ جميع أفكار إعادة تشكيل المريخ ذائعة الصيت. ووجدت الدراسة أن ضغط المريخ سيصل إلى نحو 7% فقط من الضغط الجوي لكوكب الأرض في حال استفاد البشر من كل المصادر المتاحة لثاني أكسيد الكربون على سطح المريخ، من الغطاء الجليدي إلى الرواسب المعدنية.

مقياس أصغر

وليس مفاجئًا تحويل تركيز جهود ناسا إلى أماكن أخرى بعد أن تبينت فقاعة إعادة تشكيل المريخ؛ وقالت كاثرين هامبلتون المتحدثة باسم ناسا «لا تخطط ناسا حاليًا لأي نشاط في إعادة تشكيل المريخ.»

ولا يعني عدم قدرتنا على قلب التغير المناخي على كوكب ما عدم وجود أي طرائق أخرى، إذ يُحتمل وجود طرق على نطاق أصغر بكثير. وتقوم إحدى الأفكار على توظيف الهلام الهوائي، لاستخدامه يومًا ما في بناء هياكل مثل الدفيئات، والهلام الهوائي مادة صلبة منخفضة الكثافة يصل فيها الهواء إلى 99% منها، وهو عازل جيد، وتستخدمه ناسا في مركبتها مارس روفر. ونشر روبن وردزورث الأستاذ المساعد في جامعة هارفارد الأمريكية دراسة نشرت في يوليو/تموز 2019 أجرى فيها تجربةً تعتمد على مصباح يحاكي أشعة الشمس الساقطة على المريخ ووضعه على ارتفاع يتراوح بين 2 إلى 3 سنتيمترات عن هلام هوائي من السيليكا، وتمكن من تسخين السطح أسفله إلى درجة حرارة تصل إلى نحو 65 درجة مئوية، وذلك كافٍ لإذابة الجليد على المريخ.

وقالت لورا كيربر، عالمة أبحاث من مختبر الدفع النفاث التابعة لناسا والمشاركة في الدراسة، «يمكن بناء هياكل من الهلام الهوائي بكمية صغيرة فقط في منطقة معينة، ثم يمكن بمرور الوقت البناء على ذلك.»

ولم يبلغ الهلام الهوائي المثالية حتى الآن، إذ ما يزال هشًا وبحاجة لمكان إنتاج، إلا أن كيربر متفائلة، ويريد الفريق إجراء تجارب أخرى على الهلام الهوائي في أماكن مثل القارة القطبية الجنوبية.

إعادة صياغة المستقبل

وعلى الرغم من أن جميع البشر الموجودين حاليًا لن يعيشوا لرؤية إعادة تشكيل المريخ، إلا أن الباحث روبرت زوبرين يرى أن الأمر ما يزال ممكنًا. متخيلًا قفزات في التقنية الحيوية وروبوتات النانو، وقد نصل إلى نباتات معدلة بالهندسة الحيوية يمكنها إنتاج كمية أكسجين أكبر من النباتات الموجودة على الأرض.

– المصدر: هل نتمكن مستقبلًا من تحويل المريخ إلى كوكب صالح لاستقرار البشر؟ على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.