أمراض

إيقاف انحسار الغابات قد يساعدنا في منع الأوبئة المستقبلية

منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، عصفت ثلاثة أوبئة خطيرة بالبشرية، وكان ما يجمع بين سارس وإيبولا وكوفيد-19 أنها جميعًا انتقلت للبشر من حيوانات تعيش في الغابات المدارية الكثيفة.

ويقدر العلماء أن 75% من الأمراض الجديدة تصل إلى البشر من حيوانات تعيش في غابات نحرقها أو نقطعها لإفساح المجال أمام الأنشطة البشرية؛ من استقرار أو تنقيب أو زراعة محاصيل تجارية، وكلما أزلنا مساحات أكبر من الغابات زاد احتكاكنا مع كائنات برية تحمل ميكروبات وفيروسات مميتة للبشر، بعد أن حشرنا الحيوانات البرية في مناطق أضيق، ما زاد انتقال الميكروبات بينها وأتاح تطور سلالات جديدة منها.

وسيؤدي وقف التعدي على الغابات إلى خفض احتمالات تعرضنا لكوارث صحية شديدة، ويقلل من انتشار قائمة طويلة من الأمراض الخطيرة الآتية إلينا من الغابات المطيرة؛ مثل فيروس زيكا ونيباه والملاريا والكوليرا وفيروس عوز المناعة. وتوصلت دراسة أُجريت في العام 2019 إلى أن زيادة إزالة الغابات بنسبة 10% سيرفع من حالات الملاريا بنسبة 3.3% أي نحو 7.4 مليون شخص حول العالم.

وما زال التعدي على الغابات متفشيًا، ومنذ العام 2016 خسرت الغابات ما متوسطه 28 مليون هكتار من الأشجار البكر سنويًا، ولا توجد علامة على تراجع المعدل.

حلول

ولوقف تدهور الغابات ينبغي على المجتمعات الأهلية التدخل لمنع قطع 28 ألف كيلومتر مربع منها سنويًا. واتخاذ خطوات عملية؛ منها تغيير بعض العادات الغذائية مثل تخفيض الهدر الغذائي وتقليل تناول اللحوم ما يخفض الطلب على العلف ومناطق الرعي. والتقليل من الأطعمة المصنعة ما يقلل الطلب على زيت النخيل المزروع في مناطق الغابات المدارية. وإغلاق أسواق بيع الحيوانات غير المراقبة. فضلًا عن خفض معدل النمو السكاني في الدول النامية وزيادة إنتاجية الأراضي المزروعة وتطوير محاصيل مقاومة للأمراض والعوامل المناخية الصعبة.

وذكر موقع ساينتفيك أميركان إن تلك الإجراءات يجب أن تترافق بجهود وقائية لحماياتنا من أي عوامل ممرضة جديدة، ما يتطلب أن يذهب علماء الأوبئة إلى داخل الغابات لفحص الحيوانات الناقلة للفيروسات؛ مثل الخفافيش والقوارض والقرود وتتبع حركة الجراثيم والفيروسات وتطورها. ويصب وقف التعدي على الغابات، في إطار أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من فداحة تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، إلا أنه ينبهنا إلى ضرورة تغيير نمط سير الأمور، والبحث عن حلول مستدامة، وإيقاف استغلال الموارد الطبيعة. للوقاية من الأوبئة المستقبلية.

علاقة الاحترار العالمي بالأوبئة

وازدادت الدراسات التي تربط بين تعدينا على البيئة بانتشار الأوبئة، ومنذ فترة طويلة رجح العلماء أن يتسبب ارتفاع درجات حرارة الكوكب في انتشار الأمراض المعدية، مغيرًا العلاقة بين العوامل المعدية والأجسام المضيفة والآليات الدفاعية لجسم الإنسان.

وعلى الرغم من أن الرابط بين ارتفاع حرارة الكوكب والأمراض التنفسية؛ مثل الإنفلونزا وكوفيد-19، ما زال غير واضح تمامًا، إلا أن بعض العلماء لا يخفون قلقهم من انعكاس التغير المناخي على علاقة أنظمة أجسامنا الدفاعية مع الأمراض.

وقد تتسبب التغيرات الطارئة المرتبطة بالاحترار العالمي في تأقلم الميكروبات مع كوكب أدفأ، وتغير العلاقة بين العوامل الممرضة وأجسام الحيوانات المضيفة، وضعف رد الفعل المناعي البشري.

حاجز الحماية الحراري

ونقل موقع ساينتيفيك أميريكان، عن آرتورو كاساديفال، رئيس قسم علم الأحياء الجزيئية والمناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبيرج للصحة العامة، أن «كثيرًا من الكائنات الدقيقة لا تتحمل درجة حرارة أجسادنا الطبيعية؛ 37 مئوية، وتموت عندها، مصطدمة بحاجز حراري طبيعي يحمينا من عوامل ممرضة عديدة.»

تغيرات

ولكن هذا الوضع تغير على ما يبدو في الآونة الأخيرة، إذ نشر كاساديفال وفريقه البحثي، في العام 2019، ورقة بحثية، تصف فطريًا مقاومًا للأدوية يدعى كانيدا أوريس، استُخرِج من شخص في العام 2009، عُثِر عليه بعدها في 3 قارات خلال العقد الماضي، ما يعطينا مثالًا خطيرًا على تأقلم فطري مع درجات حرارة أعلى واختراقه للحاجز الحراري البشري.

ويتمثل الخطر حاليًا، في تأقلم كائنات ذات دم بارد مع ظروف أدفأ، ما قد يؤدي إلى انتشار أمراض جديد لا قِبل لأجسامنا بالتصدي لها؛ وقال كاساديفال «نملك كبشر خطي دفاع ضد الفيروسات؛ درجة حرارة أجسادنا، ونظامنا المناعي المتطور. ولكن في عالم أدفأ، قد نخسر أحدهما.»

خسارة المناعة

وما يثير القلق أكثر، توقعات حديثة لباحثين من جامعة طوكيو، بأن خط دفاعنا الثاني في خطر أيضًا، إذ خلصت دراستهم التي نشروها مجلة أكاديمية العلوم الأميركية، العام 2019 -بعد تجارب أجروها على فئران محقونة بفيروس الإنفلونزا الموسمي- إلى أن درجات الحرارة العالية أضعفت فاعلية الجهاز المناعي. وإن كان الرابط غير واضح تمامًا بعد.

هجرة الكائنات إلى بيئات أبرد

وقد يتسبب ارتفاع درجات حرارة كوكبنا بخطرٍ آخر، مرتبط بميل الكائنات الحية إلى الانتقال نحو بيئات أقل حرارة، إذ نشرت مجلة ساينس في العام 2017، دراسة فحواها أن الكائنات التي تعيش على اليابسة تقترب من مناطق القطبين بمعدل 17 كيلومترًا في العقد، بينما تقترب الكائنات البحرية بمعدل 72 كيلومترًا في العقد، ما يتسبب باختلاط كائنات لم يسبق لها أن عاشت بالقرب من بعضها، وقد يؤدي إلى طرق جديدة لانتشار العدوى.

وقالت الدكتورة إيلين فوكسمان، الأستاذة في قسم الطب المختبري والمناعة في كلية ييل الطبية، إن «تغير المناخ يشوش كثيرًا من أنماط النشاط البشري والحشرات وحتى الخفافيش التي أتى منها الفيروس المُسبِّب لمرض كوفيد-19 وباقي الفيروسات التاجية. وقد يؤدي التشويش إلى تغيير التفاعل بين الأمراض وخطوط الدفاع البشرية بطرائق لم يفهمها العلماء بعد.»

– المصدر: إيقاف انحسار الغابات قد يساعدنا في منع الأوبئة المستقبلية على موقع مرصد المستقبل.