الرياضة

ما مستقبل قطاع الرياضة بعد جائحة فيروس كورونا المستجد

يستمر العالم اليوم في مجابهة تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وتعطلت صناعات كثيرة في مختلف أنحاء العالم. وكانت العواقب في مجال الترفيه الرياضي العالمي وخيمة: من أولمبياد طوكيو 2021 إلى كأس الأمم الأوروبية 2020 وتصفيات كأس العالم 2022 ودوري أبطال أوروبا وبطولة ويمبلدون للتنس الدوري الأمريكي إلى كرة السلة للمحترفين وتور دي فرانس وبطولة أيرلندا المفتوحة التي ترعاها السوق الحرة في دبي. وكل هذه أمثلة من عدد كبير من الأحداث الرياضية الكبرى التي أُجِّل انطلاقها بسبب مخاوف السلامة.

خسائر الإيرادات العالمية

تراوحت قيمة قطاع الرياضة العالمية بين 480 مليار دولار و620 مليار دولار وفقًا لدراسة نشرت في العام 2019، وتجاوز نموه نمو الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول. وقبل أزمة كوفيد-19، كان من المتوقع أن يتابع نموه التصاعدي، وكان معدل نموه يتجاوز في الدول العربية معدلات نموه في المناطق الأخرى. لكن قطاع الرياضة يواجه اليوم خسائر في الإيرادات تصل إلى 61.1 مليار دولار بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد. وتضررت عقود البث الرئيسة وعائدات الإعلانات وتدفقات التذاكر بسبب إلغاء الأحداث الرياضية الكبرى. وسيواجه جميع أصحاب الأعمال المرتبطة بهذا القطاع انخفاضًا حادًا في الإيرادات على المدى القصير. ويشمل ذلك الهيئات الرياضية والمحترفين الرياضيين وأماكن الفعاليات ووسائل الإعلام والمحطات وأصحاب الرخص. وقد تجبر القيود الجديدة على التواصل الاجتماعي قطاع الرياضة على إعادة النظر في نماذج أعماله بأكمله على المدى الطويل.

التكيف مع المعيار الجديد

يدرس العاملون في هذا القطاع أفضل السبل للتكيف مع عدد أقل من زوار الفعاليات الرياضية الحية. وسيتعين على الهيئات الرياضية إيجاد طريقة لإدارة الدوريات والبطولات الرئيسة في المستقبل بصرف النظر عن التأثير المباشر لذلك على الإيرادات. فهل سيتعين عليها التكيف مع جماهير وعائدات أقل بكثير في المستقبل؟ هل سيُطلب منها استخدام تقنيات وعمليات جديدة لضمان سلامة الجماهير؟ كيف ستحافظ الهيئات على التفاعل مع الجماهير إن لم يسمح للمشجعين بحضور الأحداث الرياضية المفضلة لديهم؟ كيف ستُعوَّض عائدات الإعلانات؟ وكيف نستخدم الأدوات الرقمية لسد الفجوة وتعزيز التفاعل بين المشجعين ونجوم الرياضة؟

تغيير عادات الاستهلاك

سيكون تغير عادات استهلاك الترفيه الرياضي أحد التأثيرات الملحوظة لـكوفيد-19. وحاولت محطات البث التلفازي تقديم أنواع مختلفة من المحتوى الرياضي للحفاظ على تفاعل المتابعين خلال فترة توقف الفعاليات بسبب الجائحة. فمثلًا، تعرض محطتا إي إس بي إن وفوكس سبورتس اليوم مباريات قديمة ومحتوى مؤرشفًا وأفلامًا وثائقية ومسابقات قليلة الانتشار. ويقبل المستخدمون في ظروف العزل المنزلي اليوم على استهلاك المحتوى الترفيهي، ولهذا يزداد استهلاك المحتوى عند الطلب، أي خارج أوقات البث التقليدية. وحققت خدمة أمازون فيديو برايم زيادة كبيرة في أعداد المشتركين بعد حصولها على حقوق بث الدوري الإنجليزي الممتاز في المملكة المتحدة، ما يعكس التحول في الاستهلاك من محطات البث التقليدية إلى المنصات الإلكترونية عبر الإنترنت.

تزايد أهمية التفاعل الرقمي

سيؤدي تنامي عادات الاستهلاك الرقمي إلى تغير نموذج الأعمال الذي تحصل بموجبه الهيئات الرياضية على معظم إيراداتها من التلفاز الكبلي. ولتحقيق ذلك على الجهات الفاعلة في القطاع البحث عن تنويع مصادر دخلها. ومن الفرص الممكنة لذلك زيادة نسبة المشاهدة بتحويل المحتوى إلى ألعاب بالاعتماد على التقنيات الترفيهية الحديثة، ومنها الواقع الافتراضي والواقع المعزز، لإنتاج تجارب تفاعلية جديدة وفرص للتفاعل بين المشجعين ونجوم الرياضة المفضلين لديهم عبر الإنترنت، وستكون أمام الذين يستفيدون من هذه الاتجاهات فرصة أفضل للاستمرار. والواقع أن مسابقات كرة القدم الخيالية (فانتازي فوتبول) حققت نجاحًا كبيرًا، وأصبحت أكثر المنتجات أهمية لمحطات عدة، منها سي بي إس وإي إس بي إن وإن بي سي وفوكس سبورتس.

نمو الرياضات الإلكترونية

تظهر هذه الاتجاهات تنامي شعبية الرياضات الإلكترونية عامةً، إذ كان من المقرر أن تتجاوز قيمتها مليار دولار في نهاية العام 2019. ولا تقتصر أهمية ألعاب الإنترنت على لعبها فحسب، إذ يزداد انتشار بثها على خدمات البث، ومنها تويتش ويوتيوب جيمينج، ما يوفر فرصًا جديدة للإعلان والتفاعل. واستثمرت الفرق الرياضية كثيرًا في هذه المنصات، ومثال على ذلك دوري 2 كيه ليج للرابطة الوطنية لكرة السلة. وبدأت المحطات الإذاعية في البلدان العربية باللحاق بالركب، فمثلًا، دخلت مجموعة إم بي سي في شراكة مع شركة إي إس إل لإطلاق أول دوري رياضي إلكتروني احترافي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتقل أعمار نصف سكان البلدان العربية عن 25 عامًا، وفيها أحد أعلى معدلات انتشار الإنترنت والهواتف النقالة في العالم، ويقدم هذا القطاع فرصًا مربحة للمستثمرين. وفي العام الماضي وحده، كان من المتوقع أن تحقق صناعة الرياضة الإلكترونية الإقليمية 6 مليارات دولار بحلول العام 2021. وفي المنطقة، يتزايد استثمار الأفراد والشركات والحكومات في  النظم الضرورية لازدهار هذا القطاع. وستكون الاستثمارات في البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات مهمة جدًا، لأن تأخر البث بمقدار ميلي ثانية فحسب يؤثر على اللاعبين.

دعم التحول الرقمي

يعتمد قطاع الترفيه الرياضي على عقود بث قيمتها ملايين الدولارات بين هيئات الترخيص وقنوات الكبل، بناءً على تدفقات مالية ضخمة من إيرادات الإعلانات, وأظهر توقف الأحداث الحية عدم استدامة نموذج الأعمال هذا. وسيتعين على الهيئات والجمعيات الرياضية والبطولات والأندية والمشاركين الرئيسين في الصناعة تبنّي التحول الرقمي لتنويع مصادر الإيرادات. ونشهد نمو التحول الرقمي منذ مدة، وتؤكد الأرباح المتزايدة من قطاع ألعاب الإنترنت والرياضات الإلكترونية ذلك. ومع أن قطاع الرياضة كان بطيئًا في اللحاق باتجاهات الرقمنة في الماضي، لكن هذا يتغير اليوم بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد.

– المصدر: ما مستقبل قطاع الرياضة بعد جائحة فيروس كورونا المستجد على موقع مرصد المستقبل.