الأتمتة

كيف ستُشكِل التقنيات الناشئة معالم عقدنا الحالي؟

أصدرت شركة ديل بالتعاون مع معهد المستقبل للأبحاث في ولاية كاليفورنيا تقريرًا يستشرف تأثير التقنيات الناشئة على حياة الأفراد وبيئات العمل والمؤسسات وطرائق التوظيف والتعلم خلال العقد الحالي 2030، ويشمل ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والواقع الافتراضي والأنظمة المؤتمتة والحوسبة السحابية.

بين التقرير أن نحو 85% من الوظائف التي ستوجد في نهاية العام 2030 لم تُستكشف بعد، ما يثبت صحة التنبؤ الشهير الذي يشير إلى أن نحو 65% من أطفال المدارس الابتدائية بدءًا من العام 1999 سينتهي بهم المطاف في وظائف لم تُعرف بعد.

بين التقرير أن الشراكة بين الإنسان والآلة لن تساعد في أتمتة الحياة وتنسيقها فحسب، بل ستسهم في اختيار المؤسسات للمواهب العاملة فيها، وستؤثر على إدارة فريق العمل داخل المؤسسة الواحدة، فضلًا عن طريقة تقديم الخدمات والمنتجات للمستهلكين ودعم التطوير المهني، إذ أن تلك الشراكة لن تُنهي الوظائف البشرية، لكنها ستشكل بيئة عمل مختلفة تمامًا.

بحلول العام 2030 سيعاد رسم المشهد العام للمؤسسات وستنقلب طريقة تعيين المواهب داخل المؤسسات رأسًا على عقب، فبدلًا من أن يبذل الأفراد جهدًا للبحث عن وظيفة كما اعتدنا سابقًا، ستتنافس بيئات العمل في البحث عن أفضل المواهب لأداء مهامها، إذ أن تصور البيانات ومحركات السمعة والتقييمات والتحليلات الذكية ستجعل كفاءات الأفراد ومهاراتهم قابلة للبحث.

ستُلغي الشراكة بين الإنسان والألة حدود الزمان والمكان وسيصبح العمل المستقل واقعًا جديدًا، وهو العمل غير المنتظم أو غير مرتبط بعقد، فوفقًا لإحدى الإحصاءات؛ مثلت العمالة المستقلة في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2019 نحو 35% من القوى العاملة أي 57 مليون شخص تقريبًا مرتفعةً بذلك من 53 مليون فرد في العام 2014.

وأشارت أيضًا إحدى التقارير الصادرة عن شركة ماكينزي للاستشارات في العام 2017 أن نحو 162 مليون شخص في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يعملون في سوق العمل المستقل أي 20 إلى 30% تقريبًا من نسبة القوى العاملة.

وأوضح التقرير الصادر عن شركة ديل أن القدرة على تنسيق الموارد المادية والبشرية على حدٍ سواء سيساعد المؤسسات في تنشيط هذه الموارد أو إلغاء تنشيطها أينما ومتى دعت الحاجة إلى ذلك، ولن تزيد تلك الميزة من قدرة المؤسسات التنافسية فحسب، بل ستقلل أيضًا تكاليفها الثابتة ونفقاتها العامة وستضعها على الطريق السليم لتصبح أكثر مرونة وربحية.

وأظهر التقرير أن إعادة صياغة طرائق التوظيف سيطلق العنان لمجموعة جديدة من المواهب العالمية والحقيقية، وسيستفيد هؤلاء الأشخاص المهرة من أدوات الاتصال المطورة ومن التعاون الاجتماعي الحاصل، إذ سيتاح لتلك العمالة المستقلة التنسيق عبر المؤسسات والمناطق الزمنية المختلفة، وستتلاشى الروابط بين الجغرافيا والعمل، ومع نمو مناطق جنوب وسط آسيا وصحراء جنوب إفريقيا نحو مليار شخص بحلول العام 2030، فإن العمل وخاصةً الرقمي سيبحث عن أفضل المواهب والأفكار المبتكرة الموجودة في هذه المناطق الناشئة.

ووفقًا للتقرير ستُلغي فرضية ملاحقة المؤسسات لموظفيها واختيارهم مشكلات التحيزات الشخصية وستتغير القوالب النمطية لعمليات البحث عن الوظائف، إذ سيؤدي دمج تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، مثلًا في بروتوكولات التوظيف إلى تمكين العامل المستقل من إثبات كفاءته وعرض مهاراته دون الكشف عن جنسه أو عرقه، وسيؤدي دمج التقنيات الناشئة في عمليات التوظيف إلى زيادة معدلات التوظيف المنخفض للمرأة في مجال الحوسبة، إذ تشغل المرأة حاليًا نحو 26% فقط من وظائف الحوسبة في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بوجود هكذا تقنيات ستُفتَح الأبواب أمام الأشخاص الذين عانوا من عدم تساوٍ في الفرص، وستعزز تلك التقنيات قدرات المديرين داخل المؤسسات على تقييم قدرة الموظفين لاكتساب المعرفة أو تعلم مهارة جديدة لتطبيقها لاحقًا.

كشف التقرير أنه بحلول عام 2030، ستُنظَم موارد البشر وتُرتَب احتياجاتهم من خلال التقنيات الرقمية وتعلم الآلة لتحقيق النتائج المرجوة، وسيتولى الإنسان دور القائد المنظم لتلك العمليات الرقمية، وستكون التقنيات بمثابة امتداد للبشر لأنها ستعمل على إدارة وأتمتة العديد من الأنشطة اليومية، إذ ستغوص تلك التقنيات وتُنسَج داخل حياة البشر نسجًا، وستلائم احتياجات كل فرد على حده، بل ربما تلبي احتياجات الناس قبل شعورهم بوجود تلك الحاجة أصلًا.

سيعتمد القادة المنظمون للعمليات الرقمية من فئة الآباء مثلًا على الشراكة بين الإنسان والآلة لإدارة التزامات أسرهم وعملهم، وسينضم إليهم الملايين من الأشخاص المعنيين برعاية أفراد أسرتهم، فمثلًا في مناطق آسيا وأوروبا يشكل الأفراد البالغون من العمر 80 عامًا أو من هم في سن التقاعد أكبر شريحة من المجتمع، وستظل شريحة سن التقاعد سائدة لعقود مقبلة، لذا سيستخدم العديد من أقارب كبار السن الروبوتات المنزلية خفيفة الوزن والمنخفضة التكلفة لمشاركة ذويهم الحضور والاعتناء بهم أثناء عملهم، فضلًا عن اعتمادهم على منصات التنسيق الرقمية لمراقبة وجدولة خدمات الرعاية الصحية لأقربائهم عند الحاجة.

تأثير التقنيات الناشئة على الأفراد

على الرغم من أن امتلاك الخبرة في مجال معين ومعرفة كيف تُنجَز المهام ستظل سمات أساسية لدى الموظفين على مدى العقد الحالي، إلا أنه توجد صفات مهمة سينبغي توفرها لدى كل العاملين حسبما كشف التقرير، وغالبًا ما ترتبط تلك الصفات برواد الأعمال، مثل المثابرة والإبداع في حل المشكلات ووضوح الرؤية والهدف، وستظل القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة لدفع المؤسسات للمضي قُدمًا وتقديم حلول إبداعية للمشكلات سمات مميزة للبشر عن الآلات، بالإضافة إلى حالة الشغف الموجودة بالفطرة لدى البشر والتي تحثهم دومًا على تعلم أشياء جديدة ومعرفة كيف تعمل الأشياء.

وبنمو الاقتصاد المعتمد على العاملين المستقلين وتنامي محركات السمعة وارتفاع معدل تصور البيانات والتحليلات الذكية ستصبح مهارات الأفراد وكفاءتهم قابلة للبحث بشكل متزايد، وسيُعَد الحفاظ على علامة تجارية شخصية قوية من أساسيات العمل الاحترافي على مدار العقد الحالي، وسيعتمد كثير من الأفراد على الآلة لإنجاز أنشطتهم اليومية المرتبطة بإدارة العلامات التجارية الشخصية والسمعة المهنية، إذ سيُعد الدمج بين أدوات الأتمتة في العمل وفي الحياة اليومية مهارة جديدة وحاسمة سيعمل الأفراد على تطويرها واكتسابها، وسيقلل الدمج بين خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية الاستثمارات الكبيرة في بنيات التقنيات التحتية، وستشهد عملية الوصول إلى المعلومات توسعًا كبيرًا خلال عقدنا الحالي أكثر مما هي عليه اليوم.

تأثير التقنيات الناشئة على المؤسسات

أفاد التقرير بأن الاستثمار والتوسع في إمكانات المؤسسات التقنية أمر أساسي لا مفر منه، ولن يُعَد وقوع المؤسسات في الاختراقات الأمنية مشكلة تقنية فحسب بل مشكلة تجارية أيضًا، وستكون الآثار التجارية المترتبة على الوقوع في تلك الاختراقات دافعًا لتطوير أنظمة أمنية قوية داخل المؤسسات وتصميم استجابات استراتيجية فاعلة لتفادي تلك الاختراقات والخروج منها بأقل ضرر في حال حدوثها.

سيشهد عقدنا الحالي أيضًا مشاركة رقمية كبيرة لبيانات الناس وهَوياتهم المادية والرقمية، لذا فإن الحفاظ على أمن العملاء وبياناتهم سيكون أمرًا حيويًا لدى المؤسسات لكسب ثقة عملائها.

وأوضح التقرير أن تلبية توقعات العملاء واحتياجاتهم سيكون أمرًا مصيريًا لنجاح المؤسسات خلال هذا العقد، سواء كانت تلك الخدمات ممثلة في توصيل المنتج أو التنفيذ السريع للخدمات، وأي تأخر في تلك المعاملات الرقمية لن يكون مقبولًا من المستهلكين، ومع دخول الذكاء الاصطناعي تدريجيًا ستتمكن المؤسسات من حل مشكلاتها وتقديم خدمات جديدة ضمن سلسلة تلقائية ومستمرة من التحسينات، بالإضافة إلى الاستجابة في الوقت الفعلي والقضاء على الكمون في أنظمة التحكم الرقمية، كل هذا سيرفع من قيمة المؤسسات التنافسية وكفاءتها.

ستحتاج المؤسسات إلى تعزيز كفاءتها الداخلية سريعًا للتأكد من أن الخوارزميات التي تديرها تواءم علامتها التجارية وقيمتها، وستحتاج المؤسسات أيضًا لأن تكون بارعة في مراجعة افتراضاتها المضمنة في أنظمتها الآلية للتأكد من عدم إظهار تلك الأنظمة لأي تحيزات جنسية أو عنصرية، بالإضافة إلى ضمان دقة المخرجات الناتجة عن أنظمة التعلم الآلي.

ومع تنامي فرضية ملاحقة المؤسسات لموظفيها، سيكون لزامًا على تلك المؤسسات أن تختبر وتعيد تعيين الافتراضات المرتبطة بقيمة العمل، إذ سيحتاجون إلى فهم كيف تغيرت قيمة العمل في حياة الناس بالإضافة إلى تقييم عائدهم المتوقع من الوقت الذي سيقضونه في العمل، إذ سينظر البشر إلى الوظائف على أنها فرصة للتعلم وإحداث تأثير مفيد للمجتمع، وستجذب المؤسسات التي تتبنى هذه التطلعات أفضل المواهب في المستقبل.

– المصدر: كيف ستُشكِل التقنيات الناشئة معالم عقدنا الحالي؟ على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.