أبحاث

مستقبل البيانات الضخمة بعد كوفيد-19

ظهرت البيانات الضخمة، خلال العقد الماضي، من العدم تقريبًا، وتحولت بسرعة إلى صناعة تساوي مليارات الدولارات، لتوفر للمنظمات تحليلات قيمة، وتمكن القادة من العمل بكفاءة أكبر اعتمادًا على كم هائل من المعلومات تُنشأ وتُصنَّف وتُخزَّن وتُحلَّل نتيجة استخدامنا للأجهزة المتصلة بالإنترنت.

ويستمر حجم البيانات المٌنتجة عالميَا بالنمو السريع، وتضاعف من 4.4 زيتا بايت إلى 44 زيتا بايت، خلال الأعوام السبع الماضية (1 زيتا بايت = مليار تيرا بايت) ويُتوقَّع ارتفاع القيمة السوقية من 169 مليارًا في العام 2018 إلى 274 مليارًا في العام 2020، وقد تحقق دول مجلس التعاون الخليجي وحدها نموًا سنويًا مركبًا بنسبة 3% خلال الأعوام الخمس المقبلة، مع بروز لاعبين؛ منهم اتصالات وأمازون لخدمات الويب ومركز بيانات الخليج وآي بي إم وأوراكل ومايكروسوفت وإس إيه بي، و500 شركة كبرى في الولايات المتحدة.

وأدى إلى الصعود السريع لصناعة البيانات الضخمة، عوامل عدة؛ منها انتشار إنترنت الأشياء، وتنامي استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتطورهما.

وأدركت صناعات عدة؛ منها الرعاية الصحية والخدمات المصرفية والمالية وتجارة التجزئة والصناعات الثقيلة والصناعة التحويلية والطاقة، الميزة التنافسية لاستخدام البيانات الضخمة، وقد تحقق المنظمات نكاسب إنتاجية بنسبة تتراوح من 5 إلى 20%، باعتماد البيانات الضخمة، ما يزيد أهمية تحليل البيانات في الشركات الراغبة في الحفاظ على ميزة إضافية بين المنافسين. ويدل على النمو الكبير لهذا القطاع، أن علماء البيانات احتلوا المركز الثالث في تقرير الوظائف الناشئة على موقع لينكد إن في العام 2020، وهي وظيفة لم تكن موجودة عمليًا، قبل عقد من الزمن.

وبالتوازي مع الاعتماد المتزايد على تحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، ازداد التوجه نحو عمليات الاستحواذ والدمج بين الجهات الفاعلة في الصناعة؛ على غرار استحواذ شركة علي بابا الصينية للتقنية -التي تستخدم البيانات الضخمة في جميع مجالات أعمالها من البيع بالتجزئة عبر الإنترنت إلى إدارة المخزون- على شركة داتا أرتيسانز في العام 2018، لزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات الأساسية وتحسين تجربة المتعاملين. ومنذ مطلع العام 2020، شهدنا تحولات أخرى عديدة؛ منها استحواذ شركة سيلز فورس على شركة تابلوه، مقابل 15.7 مليار دولار، واستحواذ شركة جوجل على شركة لووكر مقابل 2.6 مليار دولار.

تأثير كوفيد-19

وعقب النمو الاستثنائي على مدى الأعوام القليلة الماضية، يتساءل اقتصاديون عن تأثير جائحة كوفيد-19، على البيانات الضخمة وصناعة تقنية المعلومات، وبالتزامن مع إعلانهم عن ركود عالمي في وقت مبكر العام الحالي، منذ مطلع مارس/آذار 2020، أدت الميزانيات المجمدة وعمليات التسريح وإغلاق الشركات إلى توقف الإنفاق في صناعات عديدة.

وتشمل النطاقات الأكثر تأثرًا، السفر والطيران والترفيه الرياضي والسيارات والنفط والغاز والتقنية المالية، وسيكون لانخفاض هذه الصناعات تأثير كبير في الإنفاق على تقنية المعلومات بطبيعة الحال، لكن يبقى مدى شدة التأثير، غير واضح تمامًا.

وفي بحث أجرته شركة فوريستر، في الولايات المتحدة، رجحت التعافي الاقتصادي منتصف العام 2021، إذ ستخفض ميزانيات التقنية بنسبة 9%، خلال العام الحالي، و5% في العام 2021، ويُرجَّح أيضًا انخفاض الاستثمارات في تقنية المعلومات في مجالات المعدات والخدمات الاستشارية.

ويبقى تأثير الوباء محدودًا على قطاعات تجارة التجزئة والنفط والترفيه، على الرغم من الانخفاض الكبير فيها، إذ أنها لا تمثل سوى 20% من إجمالي الإنفاق على تقنية المعلومات. ومن غير الواضح بعد، مدى تأثر الخدمات الحكومية؛ التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية، وغيرها، التي تمثل 60% من عائدات أسواق تقنية المعلومات.

وعلى الرغم من الركود العالمي، رجحت أبحاث شركات خدمات دريسنر الاستشارية، عدم تأثر ميزانيات ذكاء الأعمال، خلافًا للإنفاق في مجالات تقنية المعلومات، وأبدى 49% من المستجيبين استعدادهم للاستمرار في مشاريع ذكاء الأعمال.

ولا يُرجَّح أن تقلل جائحة كوفيد-19 من الاستثمارات في مجال ذكاء الأعمال، إذ أشار بحث أجرته شركة يلوبريك داتا الأمريكية، إلى أن الشركات تولي أهمية كبيرة لأدوات ذكاء الأعمال المعتمدة على الحوسبة السحابية والخدمة الذاتية، مع تزايد أعداد العاملين عن بعد.

التوقعات المستقبلية

وتنقسم سوق تحليلات البيانات الضخمة إلى فئتين؛ اكتشاف البيانات والتصور والتحليلات المتقدمة، ويترجم اكتشاف البيانات والتصور، والمُسمى أيضًا بذكاء الأعمال، البيانات المعقدة من مصادر متعددة؛ من العميل أو المشتريات أو البيانات الاجتماعية أو البيانات المتصلة، إلى معلومات ذات معنى، وتقدم البيانات بتنسيقات مرئية؛ بما في ذلك الخرائط الجغرافية والجداول المحورية والخرائط الحرارية وغيرها، في حين تتجاوز التحليلات المتقدمة، ذكاء الأعمال، وتستخدم البيانات لإنجاز تنبؤات عن التوجهات المستقبلية.

ويبدو أن اكتشاف البيانات والتصور، سيستمر في قيادة القطاع، كونه الممثل للحصة الأكبر في سوق تحليلات البيانات الضخمة، وبسبب الحجم والثروة والوصول إلى البيانات، كانت الشركات الكبيرة في طليعة الاستثمارات في ذكاء الأعمال، ومن بين الصناعات المتوقع نموها بشكل استثنائي في الأعوام المقبلة، وزيادتها للطلب على البيانات الضخمة؛ البيع بالتجزئة بفضل الارتفاع في التجارة الإلكترونية والمصارف والتمويل والتصنيع، وبصرف النظر عن الشركات الكبيرة، بدأت الشركات الصغيرة والمتوسطة في اللحاق بالركب، وخلال الأعوام الخمسة المقبلة، يُتوقع أن تكون من أسرع المستخدمين نموًا للبيانات الضخمة.

وتدفع تلك الصناعات بشكل مماثل نحو زيادة الطلب على التحليلات المتقدمة؛ التصنيع والرعاية الصحية، ويشجع ظهور الثورة الصناعية الرابعة، على استخدام التحليلات التنبؤية في مجال التصنيع، وبفضل انخفاض تكاليف التقنية من أجهزة استشعار الآلات إلى تخزين البيانات السحابية، سيستخدم قطاع الصناعة البيانات الكبيرة بشكل متزايد، مع مزايا تتراوح من الصيانة التنبؤية، إلى تحسين الإنتاج، والكفاءة التشغيلية والتحسينات في الصحة والسلامة.

وسيؤدي الاستخدام المتزايد للروبوتات إلى تنامي الاعتماد على البيانات الضخمة، ففي حالة الرعاية الصحية، أظهرت جائحة كوفيد-19 الأخيرة الأهمية الحاسمة لذكاء الأعمال في تتبع الفيروس والتحليلات المتقدمة في توقع انتشار الفيروس عن طريق مراقبة حركة السكان، ما قد يشير إلى زيادة الإنفاق، وخاصة لدى الحكومات لإدارة الأزمات الصحية في المستقبل.

الآفاق الإقليمية

وضعت الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي البيانات الضخمة في صميم برامج التحول الاقتصادي، وهي استراتيجية رئيسة في خطط مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط، وانطلاقًا من خطط استراتيجية إقليمية؛ منها رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ودبي الذكية 2021، ورؤية الكويت الجديدة 2035، فإن تسهيل صناعة البيانات الضخمة مهم جدًا لنمو الاقتصادات، وفي إشارة إلى الأهمية التي توليها الحكومات للبيانات الضخمة؛ أشارت 88% من الشركات في الإمارات العربية المتحدة، في العام 2019، إلى زيادة ميزانيات استخدام التقنيات السحابية.

ومع استمرار الاستثمارات في البنية التحتية اللازمة لتسهيل البيانات الضخمة، بما في ذلك تنفيذ شبكات الجيل الخامس، والتطورات في البيئة التشريعية وجذب وتطوير المواهب ذات الصلة، فإن آفاق الصناعة الإقليمية، البالغة نحو 4.7 مليار دولار تبدو واعدة.

التحديات الماثلة

وعلى الرغم من الاعتراف بالفوائد والاستثمارات في البيانات الضخمة، من قبل عدد كبير من الصناعات والأعمال، تبرز تحديات تعيق البيانات الضخمة، إذ أن شركات عديدة تجمع البيانات، ولكنها عاجزة عن رسم رؤى ذات صلة. في حين أنشأت شركات أخرى رؤى قيمة، لكنها لا تعرف كيفية تطبيقها بطريقة ذات مغزى، وفي المحصلة فإن الاستثمارات في البيانات الضخمة لا تترجم بالضرورة إلى عائد استثمار قابل للإثبات، في ظل نقص الموارد البشرية المتاحة لأداء هذه الأدوار.

ويكمن التحدي الرئيس الآخر، في الأمن السيبراني، إذ تشكل الخروقات الكبيرة لبيانات المستخدمين السرية، مصدر قلق كبير للشركات، وشهدنا في الآونة الأخيرة، سلسلة فضائح جراء اختراق سجلات 3 ملايين مستخدم؛ من ضمنها معلومات بطاقة الائتمان في شركة أدوبي في العام 2013، و7.5 مليون مستخدم آخر مرة أخرى في العام 2019، وتسرب كامل قائمة حسابات موقع إي باي البالغة 145 مليون ملف شخصي في العام 2014. ما دفع شركة كامبريدج أنالاتيكا إلى اتخاذ إجراءات لحماية خصوصية مستخدمي الإنترنت بموجب القانون.

وقبل إطلاق العنان للقوة الكاملة للبيانات الضخمة، يجب معالجة هذه التحديات على المستويين العالمي والإقليمي، وعقب التغلب عليها، قد نصل إلى مستقبل أكثر ذكاء واستدامة، من خلال الاستثمار الصحيح للبيانات الضخمة.

– المصدر: مستقبل البيانات الضخمة بعد كوفيد-19 على موقع مرصد المستقبل.