الانتقال عن بعد

كيف تتنبأ أعمال الخيال العلمي الفنية بأفكار وتقنيات المستقبل

يتذكر الناس تجاربهم التي لا تنسى مع إبداعات الخيال العلمي ويستدعون للذاكرة أفلام تدعو للتأمل والرهب مثل بلايد رانر، وأخرى تبعث على التفاؤل والمغامرة مثل ستار تراك أو سلسلة ستار وورز الأسطورة الفضائية الغربية.

شكلت هذه الأفلام عقول أجيال كاملة، وألهمت جهابذة مطوري البرمجيات وعلماء الفيزياء الفلكية والمصممين والمهندسين المعماريين. ولذلك أصبح للخيال العلمي مكانة خاصة في وجدان مجتمعاتنا.

ومنذ بدايته، ارتبطت أفكار الخيال العلمي بالتقنية الحديثة وظهرت علاقة دورية بينهما حيث تثري الأفكار المقدمة في هذه العوالم الخيالية عقولنا مثلما تلهمنا ابتكارات التقنية الجديدة.

روابط الخيال العلمي والتقنية الحديثة

درس باحثو جامعة هاواي علاقة الخيال العلمي بالتقنية ونشروا مقالًا بعنوان: استكشاف مرجعية واستخدام الخيال العلمي في أدب التفاعل بين الإنسان والحاسوب. ووجدوا أن الأفلام، كتلك التي ذكرناها في بداية المقال، تلهم العلماء لابتكار تفاعلات أفضل مع الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر ذكاءً تدريجيًا. وألهمت استكشاف مزيد من الأفكار الجديدة في مجالات علم الأحياء وتعديل جسم الإنسان وابتكار تصميمات تقنية أفضل عمومًا.

يرتبط مفهوم الخيال العلمي لدى الأشخاص عادة بعوالم أسطورية تختلف عن عوالمنا. ويرجع ذلك لعرض الاكتشافات العلمية الجديدة أو التقنيات الحديثة في أنظمة اجتماعية غريبة تقدم درجات مختلفة من الخيال.

وتعد علاقتنا بالتقنية وكيف نستخدمها وتأثيرها على البشر من المكونات الأساسية لأعمال الخيال العلمي. وعلى الرغم من أن أدب الخيال العلمي قد يبدو وكأنه نوع حديث نسبيًا من الكتابات، إلا أن نشأته في الواقع تعود إلى بضعة قرون. ففي أوائل القرن السابع عشر كتب يوهانس كيبلر رواية سومنيوم وهي قصة تحكي عن جن يستطيع البشر استدعاؤهم للسفر إلى القمر.

وفي العام 1733، كتب تحدث صموئيل مادن عن فكرة السفر عبر الزمن في كتابه: ذكريات القرن العشرين. ونجد مؤلفي الخيال العلمي يبرزون عبر صفحات التاريخ مثل عمالقة الأدب جولز فيرن وماري شيلي وإتش جي ويلز.

وروى المؤلفون والمخرجون على مر السنين قصصًا تنبأت بكثير من التقنيات المستقبلية. فأفكار كثيرة مثل الأطراف الإلكترونية، والهواتف النقالة، والذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والأجهزة اللوحية، والمحطات الفضائية، والسيارات ذاتية القيادة وغيرها، بدأت جميعها في خيالهم.

سنلقي نظرة على بعض التقنيات المستقبلية المحتملة والأفكار النظرية المقدمة في التلفاز والأفلام الحديثة والتي تقدم تجارب فكرية ممتعة وربما ستصبح جزءًا من واقعنا يومًا.

نظرية الكون المتعدد

تعشق هوليوود فكرة العيش بأحد الأكوان والتي يحتمل أن تكون لانهائية. وهي فكرة نراها مرارًا وتكرارًا في الحبكة الدرامية. وظهرت الفكرة في رسوم متحركة صممت للبالغين بعنوان ريك ومورتي. وتدعم الفيزياء الحقيقية النظرية هذه الفكرة.

والفكرة العامة هي أن الكون الذي نعيش فيه هو مجرد واحد من عدد لا حصر له من الأكوان.  ويفترض أن يكون الزمان والمكان ممتدان إلى مالا نهاية، وقد نكون جزءًا من فقاعة في«حساء فقاعي» من الأكوان الأخرى التي لا يمكنها التفاعل أو الاتصال مع بعضها البعض. فجميع النتائج المحتملة لقياسات ميكانيك الكم ربما ستتحقق في هذا الكون وربما ستوجد في كون آخر.

وتحدث عدد من العلماء عن هذه الفكرة، حتى أن البروفيسور الشهير ستيفن هوكينج كرس آخر ورقة بحثية له لاستكشاف فكرة الكون المتعدد.

التعلم الفوري اللاشعوري

في أحد مشاهد فيلم الخيال العلمي ماتريكس، يحمل البطل نيو برنامج كونغ فو مباشرة إلى دماغه ليتعلم فنون القتال القديمة في غضون ثوانٍ. ويبدو أن تصور هذا الأمر مستحيلاً، لكنه قد يصبح حقيقة خلال العقدين المقبلين.

وبالفعل أعلن إيلون ماسك عن شريحة نيورالينك وهي شيء يفترض أن يثبت دون ألم في الدماغ، ويعد بتعلم مجموعة جديدة من المهارات المحددة على الفور. ويزعم ماسك أن هذا الجهاز سيسمح بتدفق المعلومات مباشرة إلى الدماغ.

الانتقال عن بعد

يعد الانتقال عن بعد عنصر أساسي في العديد من كلاسيكيات الخيال العلمي. وتحقق مفهوم الانتقال عن بعد بالفعل في واقعنا عندما تمكن الباحثون من نقل المعلومات الكمومية عبر الجسيمات لمسافات تصل إلى 63 ميلًا. لكن لا يمكن تطبيق هذه الخاصية إلا على المعلومات. وبغض النظر عن مدى رغبتنا في أن يتحقق لنا ذلك، فليس محتملًا أن يبتكر أحد هذا الجهاز قريبًا.

الروبوتات الواعية/الذكاء الاصطناعي المتفوق

يقسم الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث مراحل تطورية، الأول: الذكاء الاصطناعي الضيق أو تطبيق الذكاء الاصطناعي على مهام محددة فقط. الثاني: الذكاء الاصطناعي العام ويختص بتطبيق الذكاء الاصطناعي على عدة مجالات وحل المشكلات التي لم تصمم برامج الذكاء الاصطناعي من أجلها بشكل مستقل. الثالث: الذكاء الاصطناعي المتفوق وهو قادر على الإبداع العلمي وممارسة المهارات الاجتماعية والتمتع بحكمة عامة. وعند الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الهواتف وأجهزة الحاسوب والروبوتات اليوم فالمقصود هنا الذكاء الضيق.

وما زلنا بعيدين عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العام أو حتى الذكاء المتفوق. وعندما تدمج الأفلام أو الكتب موضوع الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يكون ذلك في شكل ذكاء خارق ومتفوق على البشر. ويعد الذكاء الاصطناعي موضوعًا مثيرًا للجدل، وتحدث العديد من قادة التقنية عن الانتقال بشكل صحيح من الذكاء الضيق إلى الذكاء العام وما بعده، لكن الأصوات المضادة تقول إن الذكاء الاصطناعي قد لا يتجاوز حدوده الضيقة. وحتى الآن لسنا بحاجة للقلق من أن تتآمر الروبوتات علينا.

بوابة العوالم والثقوب الدودية

اشتهرت شخصية ريك سانشيز في فيلم ريك ومورتي بمسدس فتح بوابة العوالم الخاص به. ويسمح له هذا الجهاز المحمول بفتح الثقوب الدودية والتنقل إلى كل مكان يمكن تصوره عبر الأكوان المختلفة بسهولة. ويقول العلم أن الثقوب الدودية ممكنة الوجود.

والثقب الدودي في الأساس نفق نظري عبر الزمان والمكان يمكنه أن يختصر رحلات طويلة عبر الكون. ومن الصعب فتح هذه الثقوب فلابد من توفر مصدر للطاقة السلبية الذي يصد الجاذبية لفترة كافية لإبقاء الثقب الدودي مفتوحًا ولابد من إيجاد طريقة للانتقال إلى الوجهة المقصودة مع اليقين بالنجاة من مثل هذه الرحلة!

تجارب المؤثرات البصرية

تطورت تقنية الواقع الافتراضي بسرعة من مجرد تقنية حديثة إلى أداة مفيدة ومذهلة. ومن المتوقع أن تستمر الألعاب الترفيهية في التطور حيث أصبح الاعتماد على الواقع الافتراضي أفضل الوسائل المختارة للمشاركة في الألعاب المثيرة.

وتتطلع أستوديوهات الأفلام بالفعل إلى خلق تجارب أفلام الانغماس في الواقع الافتراضي، بينما تشق مزيد من الألعاب الرائجة طريقها إلى منصات الواقع الافتراضي. وتتخيل أفلام مثل ريدي بلاير وان عوالم مستقبلية تمحو الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال.

وتستخدم لعبة أنذر وورلد تجارب مثل ردود الفعل اللمسية لكامل الجسم لتغمر اللاعبين في عالم ألعابهم. وقد يصبح الانغماس الكامل حقيقة واقعة فور توفر قوة حاسوبية كافية.

الواقع ليس حقيقة، نحن نعيش في محاكاة

فكرة أن الحياة ما هي إلا محاكاة في عالم فرضي مفهوم مستهلك في هذه المرحلة. وتوجد بعض الشخصيات البارزة في المجتمع التقني والعلمي مثل إيلون ماسك ونيل ديغراس تايسون الذين يعتقدون أن هذه الفكرة المثيرة للجدل قد تصبح واقعية. وتحدث نيك بوستروم عن نظرية المحاكاة في بحثه عام 2003 وتساءل هل نعيش في محاكاة حاسوب؟ ويرى بوستروم بأن أحفادنا في المستقبل قد يكون لديهم الإمكانيات التقنية لمحاكاة الواقع، فلا يوجد ما يمنعهم من حوسبة واقعنا الحالي، ويسأل كيف نعرف أن واقعنا الحالي ليس ضمن برنامج حاسوب هائل؟

استكشف الفلاسفة وعلماء الفيزياء النظرية كل هذه الاحتمالات البعيدة عن الواقع. لكن استنتاجاتهم يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار كما ذكر بوستروم فالعيش في محاكاة هو أكثر من تجربة فلسفية ومن المحتمل أن تكون حقيقية. وربما يكون جيمس جيتس قد توصل إلى اكتشاف يمكن أن يثبت العكس.

– المصدر: كيف تتنبأ أعمال الخيال العلمي الفنية بأفكار وتقنيات المستقبل على موقع مرصد المستقبل.