التعلم عن بعد

جائحة كوفيد-19 تعزز فرص تحصيل التعليم العالي عن بعد

أصبح التعليم عن بعد أسلوبًا أساسيًا لتقديم المعرفة في المدارس والجامعات بعد جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ما أجبر المتشككين في جدواه على إعادة تقييم مستقبل التعليم العالي والنظر إليه في نطاق يتجاوز الحرم الجامعي. ويرى بعض خبراء التعليم أننا لا نشهد اليوم ظهور عباقرة جدد يضارعون ماري كوري وفريدريك دوجلاس وألبرت أينشتاين، لأن الطلاب لا يتلقون تعليمًا يطلق العنان لإمكاناتهم.

ومع هذا أدركت الجامعات الرائدة عالميًا أخيرًا ضرورة الاستعداد للمستقبل، وبدأت تدرس كيفية تقديم التعليم والتدريب العالي من خلال الإنترنت، مع النظر إلى جدوى الاستثمار في الواقع الافتراضي والواقع المعزز وإتاحته للطلاب في جميع أنحاء العالم.

وفعلًا استطاع أساتذة الجامعات التكيف سريعًا مع تداعيات تفشي الجائحة، باستخدام الألواح الافتراضية للكتابة، وتقديم الدروس على تطبيق الباوربوينت، والمحاضرات عبر الفيديو، والمحادثات الحية. وأشار إلى ذلك فيجاي جوفينداراجان وأنوب سريفاستافا فكتبا في مجلة هارفارد بزنس ريفيو »كان رد فعل إدارة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس على صدمة كوفيد-19 جيد، حين انتقلوا إلى المنصات الرقمية في وقت قصير لا يتجاوز أسبوعًا، وهذه فرصة عظيمة للاستفادة من زخم هذه التجربة وتحويل التعليم العالي إلى نموذج قابل للتخصيص وفق احتياجات كل متعلم وتوفيره بتكاليف اقتصادية تناسب أغلب البشر. لقد حان وقت العمل!»

وتتركز معظم تلك الجهود على تكرار تجربة الدورات الضخمة المفتوحة على الإنترنت، وهو اتجاه يروج له على نطاق واسع، وأصبح مؤخرًا الاتجاه المفضل للأكاديميين. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انطلقت تلك الدورات على الإنترنت لتقدم خيارات بديلة أمام المتعلمين، لكنها فشلت في منافسة الجامعات التقليدية. واليوم عادت تلك المنصات للازدهار في ظل تفشي الجائحة، إذ شهدت منصات كورسيرا وإدإكس وفيوتشر ليرن ويوداسيتي و يوديمي زيادات كبيرة في التسجيل على دوراتها، فمثلًا ارتفع الإقبال بنسبة 400% بين فبراير/شباط ومارس/آذار على الالتحاق بمنصة يوديمي. فإن كان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو مرحلة «ذروة التوقعات» للدورات الضخمة المفتوحة على شبكة الإنترنت، فربما يشكل العقد الثاني من القرن «تصاعد التنوير» وفقًا لمنهجية جارتنر هايب عن تطور التقنية، فالمرحلة المقبلة ستمثل «ذروة الإنتاجية» كي تفي هذه التقنية بسابق وعدها.

وصلت التقنيات التي تدعم الدورات الضخمة المفتوحة على الإنترنت، مثل الواقع المعزز، إلى مستويات أنضج اليوم مقارنة بوضعها قبل عشر سنوات بعد زيادة الطلب على التعلم عن بعد. فمثلًا يستخدم الطلاب في جامعة كيس ويسترن ريزيرف في كليفلاند، ولاية أوهايو الأمريكية، الواقع المعزز لدراسة جسم الإنسان. وابتكرت جامعة بوردو برنامجًا يتيح للطلاب بناء مدن صغيرة بأشياء مادية ثم ربطها بلوحة دائرة كهربائية موجودة في تطبيق الواقع المعزز الخاص بكل منهم.

وتحسن تقنيات الواقع الافتراضي جودة التعليم الإلكتروني، فمثلًا قدمت جامعتي تمبل وفوردهام للطلاب سماعات للواقع الافتراضي من شركة أوكيولوس في أر، وهي تمكّن الطلاب من «الحضور » في قاعة المحاضرات، مع رؤية وسماع الأستاذ وزملائهم في المحاضرة. وتمكن طلاب جامعة نورث كارولينا – تشابل هيل من استخدام تلك السماعات لإجراء تدريبات جماعية في قاعة افتراضية، وأتاحت لمعلمهم الأستاذ المساعد ستيفن كينج زيارة كل مجموعة على حدة. ويشجع الأستاذ طلابه على التجول، ومقابلة زملاء آخرين في الصف، واستخدام الأدوات الافتراضية في الغرفة والجلوس على الأرائك أثناء محاضراته. وقال كينغ لصحيفة ذا نيوز آند أوبزرفر «بإمكاننا فعل أشياء في العالم الافتراضي ليس بإمكاننا فعلها في الواقع.»

وبينما تختبر الجامعات الرائدة مستقبل تقنيات التعلم بالاعتماد على الدورات الضخمة المفتوحة على شبكة الإنترنت، يعمل آخرون على تطوير الشبكة الأساسية لتستوعب نمو هذا التوجه. وترى اليونسكو والمملكة العربية السعودية أن الدورات الضخمة المفتوحة على شبكة الإنترنت تشكل أداة محورية لتحقيق أهدافها التعليمية العالمية للعام2030 . وليس بمقدور معظم البشر حاليًا الحصول عل تعليم عالٍ لأسباب مالية وجغرافية، إذ لا يتوفر إلا لنحو 207 مليون شخص فقط في جميع أنحاء العالم. وتهيمن البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية بشكل كبير على قطاع تطبيقات الدورات التعليمية على الإنترنت، إذ تنتمي إليها نصف المؤسسات التعليمية المتاحة على الإنترنت. ويتوقع أن ينمو الاتجاه نحو التعلم الافتراضي في البلدان العربية، ويبدو أن منصة «إدراك» ستكون وجهة رقمية مستقبلية لتعليم الطلاب في المنطقة.

وقال تيو نيكولاس المعلم في مدرسة هارفارد الفرعية، لصحيفة كولورادو صن «يرى المعلمون على الإنترنت أننا فقدنا كثيرًا من النوابغ مثل ماري كوري أو فريدريك دوجلاس أو ألبرت أينشتاين لأنهم لم يحصلوا على نوعية التعليم الذي يطلق العنان لإمكاناتهم.» وتولى نيكولاس إدارة برنامج التعليم الهجين في المدرسة لدراسة العقارات في العام 2015، والذي كان يضم صفاً واحدًا من 35 شخصًا، وتخرج من ذلك البرنامج حتى اليوم أكثر من 4000 طالب.

وكي تتمكن الجامعات فعليًا من إتاحة الوصول إليها من أي مكان في العالم، يجب أن تعمل في على تطوير بعض التقنيات غير الافتراضية مثل مختبرات جامعة هارفارد المنزلية، ويجب أن توفر كذلك أدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي بأسعار مناسبة، وأن تقدم للطلاب الدعم التقني على نطاق واسع، والاتصال اللاسلكي المحلي عبر شبكات واي فاي. والمردود من ذلك ضخم جدًا لكل من الطلاب والمستثمرين على حد سواء.

وكتب روبرت أرنوف الأستاذ في كلية التربية في جامعة إنديانا، في مقال عن التعليم بعد الجائحة «أمام الجامعات في البلدان النامية فرصة لعب دور رائد في تصميم أشكال بديلة للمدارس وأنظمة تعلم جديدة، وبإمكاننا استخدام التعلم عبر الإنترنت لنفتح مجالًا للطلاب من البلدان المختلفة للاتصال معًا والتعرف على اهتماماتهم المشتركة.»

بقلم: باتريك ديهان

– المصدر: جائحة كوفيد-19 تعزز فرص تحصيل التعليم العالي عن بعد على موقع مرصد المستقبل.