أمراض

لأول مرة وبدقة عالية.. رصد لحظة ميلاد خيوط الأكتين اللازمة لهجرة الخلايا

اكتشف العلماء، منذ أكثر من 80 عامًا، الأكتين؛ أحد أهم البروتينات وأكثرها وفرةً في الخلية والذي يلعب دورًا رئيسًا في عمليات حيوية ومرضية عديدة مثل هجرة الخلايا واللقم الخلوي وانتقال السرطان من نسيج إلى آخر، واكتشفوا قبل نحو عقدين مركب إيه آر بي 2/3 وهو بروتين خلوي يلعب دورًا حاسمًا في انقسام الخلايا والاستجابة المناعية والنمو العصبي، ولكنهم، حتى أغسطس/آب العام 2020 لم ينجحوا في رصده في حالته المُنَشَّطة، أو تصوير التركيب البنائي عالي الدقة لخيوط الأكتين لحظة ولادتها.

ونجح فريقٌ بحثي من جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك وجامعة أوريغون الأمريكيتين وبقيادة باحث مصري شاب، وفقًا لدراسة نشرتها مجلة نيتشر ستراكتشرال آند موليكولار بيولوجي يوم 24 أغسطس/آب العام 2020، في تحديد التركيب البِنَائي عالي الدقة للحظة ميلاد خيوط الأكتين.

ماذا يعني تحديد التركيب البنائي عالي الدقة للحظة ميلاد خيوط الأكتين؟

قال الدكتور محمد حمدي علي شعبان ،الباحث في علم الأحياء البنائي والمؤلف الرئيس للدراسة، لمرصد المستقبل «يعد الأكتين أحد أهم البروتينات الخلوية وأكثرها وفرة داخل الخلية؛ إذ يمثل 1 – 10 بالمئة من محتوى الخلية البروتيني. وتتمثل إحدى وظائفه في تنظيم هجرة الخلايا، فنحن نعلم أن كثيرًا من الخلايا تتحرك داخل أجسامنا وتغير شكلها باستمرار ولكن بشكل منظم ومحكم.»

أهمية هجرة الخلايا

أضاف الدكتور محمد شعبان «تعتمد كثيرٌ من العمليات الحيوية الطبيعية وأنظمة الدفاع الخلوية، مثل التئام الجروح، على هجرة الخلايا التي تعتمد بدورها على الأكتين بصورةٍ رئيسة. وقد يؤدي أي خلل في الهجرة الخلوية إلى أمراضٍ عدة، فمثلًا، تعتبر الهجرة الخلوية غير المُحْكَمَة سمةً مميزة لانتقال السرطانات من نسيجٍ إلى آخر. ولذا فإن فهم آلية تكوّن خيوط الأكتين أمرٌ حيوي ظل مجهولًا لعقود.»

وكي تتكون خيوط الأكتين تحتاج الخلية إلى تكوين نواة من ثلاث وحدات من الأكتين التي ترتبط بمركب بروتيني آخر يسمى إيه آر بي 2/3 المعقد، وتسمى هذه العملية التنوي، ثم تدفع خيوط الأكتين المتكونة غشاء الخلية إلى الخارج مسببة هجرة الخلية في أي اتجاه تريده (شكل 1). ولم ينجح العلماء سابقًا في رصد آلية عملية التنوي.

مجهر فائق البرودة

قال الدكتور محمد «استخدم الفريق المجهر فائق البرودة، ونجح في رؤية الشكل البنائي للبروتينات التي تبدأ عملية التنوي (شكل 2)، ما ساعدنا في فهم كيفية بداية تكوّن خيوط الأكتين».

وأضاف «ساعدتنا هذه النتائج فائقة الاستبانة في رؤية التغيرات التركيبية العامة (في المركب ككل) والمحلية (داخل الوحدات المفردة) التي تحدث لمركب إيه آر بي 2/3 والتي تدفعه للاتحاد مع وحدات الأكتين لتكوين النواة اللازمة لبدء تكوين خيوط الأكتين، وتبدأ هذه التغيرات التركيبية بدوران وحدتين أساسيتين في مركب إيه آر بي 2/3 حول بعضهما، ثم تحويل نصف وحدات المركب إلى حالة نشطة. على إثر ذلك تتحول وحدتين آخرتين، هما إيه آر بي 2 وإيه آر بي 3، في مركب إيه آر بي 2/3 لتشبهان تركيبيًا وحدتين مُتتاليتين من الأكتين، ويتيح ذلك عددًا من التغيرات المحلية التي تُمَكِّن وحدات الأكتين في النهاية من الارتباط بمركب إيه آر بي 2/3.»

وأكد على أن فهم هذه الكيفية سيساعد في الفهم الأمثل لعدد من الوظائف التي ينظمها هذا البروتين، مثل هجرة الخلايا السرطانية.

التقنيات المُطبَّقة

استخدم الفريق البحثي المجهر الإلكتروني فائق البرودة وبعض منهجيات علم الأحياء الخلوية والجزيئية، وأجرى عددًا من المحاولات لتوليد خيوط الأكتين في المختبر ما أثمر في النهاية عن بناء شكل ثلاثي الأبعاد عالي الدقة للحظة التنوي.

تطبيقات الدراسة المستقبلية

قال الدكتور محمد «قدمنا للمجتمع العلمي، لأول مرة، الآلية التي يبدأ بها تكون خيوط الأكتين، بالإضافة إلى  طريقةٍ جديدة تتيح للعلماء تتبع هذه الآلية مستقبلًا سواءً في حالتها الطبيعية أو المرضية. وستفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة لفهم الأمراض المرتبطة بسوء تنظيم توليد خيوط الأكتين مثل تأخر التئام الجروح وحدوث الأخماج وهجرة الخلايا السرطانية.»

الطموح المستقبلي

ذكر الدكتور محمد أنه يحاول تطوير المجهر الإلكتروني فائق البرودة كي يصور لقطات متحركة للتغيرات التي تطرأ على المركبات داخل الخلايا، ما قد يحدث ثورةً في علم الأحياء.

مستقبل القطاع

يعد علم الأحياء البنائي أحد المجالات الواعدة في العقد الأخير، ويشهد العالم سباقًا محمومًا لاستكشاف العمليات الحيوية المتنوعة، وفهم كيفية عملها، والخلل الذي قد يصيبها، وذلك بفضل التطورات الكبيرة التي شهدها المجهر الإلكتروني فائق البرودة خلال الأعوام الثمانية الماضية.

وتتسابق دول العالم لاقتناء هذه المجاهر المتطورة، وتمتلك الولايات المتحدة الأمريكية أكبر عددٍ منها(شكل 3). وفي منطقتنا العربية، تنفرد جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية بامتلاك هذا المجهر.

نبذة عن الباحث

عمل الدكتور محمد شعبان لفترة في مشروع مصر الوطني للنهضة العلمية، بمدينة زويل للعلوم والتقنية التي أسسها عالم الكيمياء المصري الراحل الدكتور أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء في العام 1999.

ويعمل حاليًا في مجال علم الأحياء البنائي، ويختص هذا المجال بفهم الشكل البنائي للمكونات الخلوية.

ويعكف الباحث، حاليًا، على تطوير واستخدام المجهر الإلكتروني فائق البرودة لفهم التركيب البنائي لبروتينات الأكتين الخلوية وما يرتبط بها وكيفية تنظيمها داخل الخلية.

الجوائز

منحة فولبرايت للدارسين في الولايات المتحدة الأمريكية، 2018-2020.

أفضل عرض تقديمي للبحوث. قسم الكيمياء الحيوية والأحياء الخلوية، جامعة ستوني بروك، الولايات المتحدة الأمريكية، 2019.

جائزة بيوكمت للباحثين الشباب. مؤسسة بيوكمت، مصر، 2014.

جائزة الطالب المثالي والمتدرب المثالي. جامعتي القاهرة والفيوم، مصر، 2009/2010.

– المصدر: لأول مرة وبدقة عالية.. رصد لحظة ميلاد خيوط الأكتين اللازمة لهجرة الخلايا على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.