أبحاث

ألغاز الشفق القطبي تكشف بفضل مهمة ثيمس THEMIS التابعة لوكالة ناسا

 رُصدت ظاهرة الخرز الشفقي من محطة الفضاء الدولية بتاريخ 17 أيلول/سبتمبر 2011. حقوق الصورة: (NASA).

يساعد نوعٌ مميزٌ من الشفق القطبي الملتف من الشرق وحتى الغرب في سماء الليل كما لو أنه عقد لؤلؤ متوهجٌ العلماء على فهم علم الشفق القطبي ومسبباته القوية في الفضاء بشكلٍ أفضل.

تُعرف هذه الظاهرة بالخرز الشفقي، وتظهر هذه الأضواء عادةً قبيل العروض الشفقية الكبرى التي تنجم عن عواصف كهربائية في الفضاء يُطلق عليها اسم العواصف الفرعية.

لم يكن العلماء في السابق متأكدين مما إذا كانت الخرزات الشفقية مرتبطةً بطريقةٍ ما بالعروض الشفقية الأخرى كظاهرةٍ في الفضاء تسبق العواصف الفرعية، أم أنها ناتجةٌ عن اضطراباتٍ أقرب إلى الغلاف الجوي للأرض.

قدّمت نماذج الكمبيوتر الجديدة والقوية إضافةً إلى الملاحظات الصادرة عن مهمة ثيمس THEMIS اختصارًا لتاريخ الأحداث والتفاعلات الكبيرة أثناء العواصف الفرعية التابعة لوكالة ناسا، أول دليلٍ قوي على الأحداث الفضائية التي أدت إلى ظهور هذه الخرزات، وأظهرت الدور المهم الذي تلعبه في بيئتنا القريبة من الفضاء.

قال فاسيليس أنجيلوبولوس Vassilis Angelopoulos، الباحث الرئيسي في ثيميس في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس: “نحن نعلم الآن على وجه اليقين أن تكوّن هذه الحبيبات هو جزء من عمليةٍ تسبق نشوب عاصفةٍ فرعية في الفضاء، إن هذه قطعة جديدة مهمة من اللغز”.

من خلال تقديم صورة أوسع مما يمكن رؤيته بواسطة المركبات الفضائية الثلاث التابعة لمهمة ثيميس والملاحظات الأرضية، أظهرت هذه النماذج الجديدة أن الخرز الشفقي ناتجٌ عن اضطراب في البلازما، وهي حالة رابعة من المادة، حيث تتكون من جزيئاتٍ غازيةٍ شديدة التوصيل تحيط بالأرض.

ستساعد النتائج، التي نُشرت مؤخرًا في مجلتي Geophysical Research Letters وJournal of Geophysical Research: Space Physics العلماء في نهاية المطاف على فهم النطاق الكامل للهياكل الدوامة التي تظهر في الشفق بشكلٍ أفضل.

أوضح إيفجيني بانوف Evgeny Panov، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم ببرنامج ثيميس في معهد أبحاث الفضاء التابع للأكاديمية النمساوية للعلوم قائلًا: “كشفت عمليات الرصد التي أجرتها ثيميس عن وجود اضطراباتٍ في الفضاء تسببت في حدوث تدفقات تضيء السماء كما لو أنها لآلئُ متفردةٌ في عقدٍ شفقيٍّ متوهج؛ إن هذه الاضطرابات الفضائية ناتجةٌ بصفة أولية عن إلكترونات أخف وزنًا وأكثر رشاقة تتحرك بوزن جسيمات أثقل بنحو 2000 مرةٍ، وقد تتطور نظريًا إلى عواصفَ شفقيةٍ واسعة النطاق”.

الألغاز الكامنة وراء تشكل الخرز الشفقي


ينشأ الشفق القطبي عندما تُحاصر جسيماتٌ مشحونةٌ من الشمس في البيئة المغناطيسية للأرض أي الغلاف المغناطيسي، وتتوجه إلى الغلاف الجوي العلوي للأرض، حيث تتسبب التصادمات في توهج ذرات الهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والجزيئات؛ تمكّن علماء ثيميس من استعراض تفاصيل كيفية تشكل الخرزات الشفقية من خلال تشكيل البيئة القريبة من الأرض ضمن نطاقات تتراوح من عشرات الأميال إلى 1.2 مليون ميل.
 

عندما تمر غيوم البلازما المتدفقة بفعل الشمس عبر الأرض، يخلق تفاعلها مع المجال المغناطيسى للأرض فقاعاتٍ طافيةً من البلازما خلف كوكب الأرض.

تمامًا مثل مصباح الحمم البركانية، تقع اختلالات أثناء حدوث الطفو بين الفقاعات والبلازما الأثقل في الغلاف المغناطيسي تؤدي إلى تكوّن أصابع بلازما بعرض 2500 ميلٍ، وتمتد للأسفل باتجاه الأرض؛ تخلق بصمات هذه الأصابع بنيةً مميزةً على شكل خرزةٍ في الشفق القطبي.

قال ديفيد سيبيك David Sibeck، عالم مشروع ثيميس في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا في مدينة جرينبيلت بولاية ماريلاند: “كان هناك إدراك مفاده أنَّ هذه الأحداث العابرة الصغيرة نسبيًا التي تحدث حول الغلاف المغناطيسي مهمةٌ إلى حدٍّ ما؛ لقد وصلنا مؤخرًا إلى النقطة التي تكون فيها قوة الحوسبة الآلية جيدة بما يكفي لالتقاط الفيزياء الأساسية في هذه الأنظمة”.

الآن بعد أن فهم العلماء بأن الخرز الشفقي يسبق العواصف الفرعية، فإنهم يريدون معرفة كيف ولماذا ومتى يمكن أن تؤدي هذه الحبيبات إلى عاصفة فرعية كاملة.

يمكن القول من الناحية النظرية على الأقل، إنَّ أصابع البلازما قد تتشابك مع خطوط المجال المغناطيسي وتتسبب في حدثٍ متفجر يُعرف باسم إعادة الاتصال المغناطيسي، وأغلبنا على درايةٍ كبيرة بضلوعه في تكوين عواصف فرعية وشفق قطبي يملأ سماء الليل.

نماذجُ جديدةٌ تفتح أبوابًا جديدةً


أخذت مهمة ثيميس قياساتٍ تفصيليةً أثناء مرورها عبر الغلاف المغناطيسي، وذلك منذ إطلاقها في عام 2007، وكان السبب وراء ذلك هو فهم أسباب العواصف الفرعية التي تؤدي إلى حدوث الشفق القطبي؛ كان لدى ثيميس خلال مهمتها الرئيسية القدرة بأن تبين أن إعادة الاتصال المغناطيسي هو المسبب الأساسي للعواصف الفرعية؛ تسلط النتائج الجديدة الضوء على أهمية الهياكل والظواهر على المقاييس الأصغر، تلك التي تمتد لمئات وآلاف الأميال مقارنةً بتلك التي تمتد لملايين الأميال.

قالت سلافا ميركين Slava Merkin، المؤلفة المشاركة في أحد الأبحاث الجديدة والعالمة في مركز ناسا لعواصف الفضاء الذي يقع مقره في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في لوريل بولاية ماريلاند: “نحن نحتاج حقًا إلى حلّ كلٍّ من المقاييس العالمية والمحلية الأصغر لفهم هذه الميزات في الشفق القطبي، ولهذا السبب كان الأمر صعبًا للغاية، ولا يزال كذلك حتى الوقت الراهن، وهي تتطلب خوارزميات بالغة التعقيد وأجهزة كمبيوتر عملاقةً وكبيرةً جدًا”.

تتطابق عمليات المحاكاة الحاسوبية الجديدة تمامًا تقريبًا مع ما قدمته ثيميس والملاحظات الأرضية، وبعد النجاح الأولي لنماذج الكمبيوتر الجديدة، يتوق علماء المَهمة إلى تطبيقها على الظواهر الشفقية الأخرى التي لم يجدوا لها تفسيرًا؛ تُعتبر النماذج الحاسوبية ضروريةً بشكلٍ خاص في شرح الهياكل صغيرة الحجم لأنها يمكن أن تساعد في تفسير ما يحدث بين المساحات التي تمر فيها المركبات الفضائية الثلاث لثيميس.

بحسب ما أفاد به كريم سوراثيا Kareem Sorathia، المؤلف الرئيسي في أحد الأبحاث الجديدة وواحد من العلماء في مركز ناسا لعواصف الفضاء الذي يقع مقره في مختبر جونز هوبكنز للفيزياء التطبيقية: “هناك الكثير من الهياكل الديناميكية والصغيرة جدًا التي يراها الناس في الشفق، والتي يصعب ربطها بالصورة الأكبر في الفضاء لأنها تحدث بسرعة كبيرة وعلى نطاقاتٍ صغيرةٍ جدًّا؛ الآن بعد أن أصبح بإمكاننا استخدام النماذج العالمية لوصفها والتحقيق فيها، فإن ذلك سيفتح أمامنا الكثير من الأبواب الجديدة”.