الذكاء الاصطناعي

عالمة المستقبليات إيمي ويب: العقد المقبل لتركيب الأشياء وفق حاجاتنا

قنديل بحر يأكل بلاستيكيات المحيط، وكبد إوز مهندَس إنسانيًّا، وخلايا مهندَسة تعمل كالروبوتات.. كل هذا لائح في الأفق وفق مؤسِّسة «معهد المستقبل اليوم.»

إيمي ويب هي المستقبلية التي وضعت الدليل الذي يعلم عمالقة الأعمال المستقبليين كيفية التفكير في المستقبل والتخطيط له وتشكيله. وتعمل أستاذة في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، تدرِّس منهج ماجستير إدارة الأعمال الذي أعدته عن توقُّع المستقبل والاستشراف الاستراتيجي. وأسست «معهد المستقبل اليوم» لتقديم أبحاثها الخاصة بالتقنيات الحديثة لمديري شركات قائمة «فورتشين 100» وغيرها من شركات العالم والمنظمات المتعددة الجنسيات.

ومؤخرًا حاورَت مرصد المستقبل عن المتوقَّع في مجال الاصطناع والتركيب في العقد المقبل، وكيف تسرِّع أزمة كوفيد-19 وتيرة الابتكار، والمناطق التي ستكون رائدة العالم في تطوير الذكاء الاصطناعي.

في حديثك الخاص بمؤسسة ساوث باي ساوث واست هذا العام، قلتِ إنا نشهد «بداية عقد تركيبي،» فما أثر هذا في العالم الطبيعي؟

نعيش عشرينيات هذا القرن الذي سنعده «عقد التركيب» بما أتاح لنا من وسائط تركيبية ومجموعات بيانات تركيبية، وحتى عناصر بيولوجية تركيبية؛ وسنبدأ في رؤية شخصيات ينتجها الذكاء الاصطناعي وسنتابع قصصها على مواقع التواصل الاجتماعي، وستعمل مساعِدات افتراضيّة شبيهة بالبشر على تحديد مواعيدنا وغَربلة مكالماتنا؛ وسنصطنع جزيئات «مصمِّمة» في مجموعة من الخلايا المُضيفة، عند الطلب وعلى نطاق واسع، وهذا سيؤدي إلى تطورات ثورية في إنتاج اللقاحات والعلاجات والأنسجة؛ وسيولِّد العلماء كروموسومات بشرية كاملة، وسيصمِّمون بروتينات قابلة للبرمجة.

في العقد الماضي نجحنا بالفعل في تعديل الجينات، والقادم أروع؛ فمجال البيولوجيا التركيبية مجال علمي مذهل وسريع التطور، فيه للكائنات قدرات جديدة: مثلًا قنديل بحر يأكل بلاستيكيات المحيط، أو سلالة أرز جديدة غنية بالبروتين؛ إذ بوسعنا حاليًّا برمجة الأنظمة البيولوجية كما نبرمج الحواسيب، وسيكون لذلك تطبيقات واسعة في مجال إنتاج المواد البيولوجية والوقود والعقاقير واللقاحات والكيماويات المتخصصة، وحتى الخلايا المهندَسة التي تعمل كروبوتات ميكرويّة. وستشيع الأطعمة المنتَجة بتقنيات تركيبية بدل المكونات الاصطناعية، وسيكون أمامنا خيارات طعام عديدة، من اللحوم التي يحدد مواصفاتها البشر، إلى المثلجات النباتية.

ويتيح الذكاء الاصطناعي للبيولوجيا التركيبية أن تتطور: فكلما تطور وازداد قوة، ازدادت التطبيقات البيولوجية القابلة للتجريب والتحقيق؛ وبتطور أدوات تصميم البرمجيات، وتقنيات طباعة الحمض النووي وتركيبه، سيقدر المطوِّرون على ابتكارات بيولوجية أعْقَد، ومعنى هذا أنه سيكون بإمكان البشر كتابة أي جينوم فيروسي من الصفر.

ما الذي قد نخسره من ذلك؟ الثقة قبل كل شيء.

أتعُدِّين هذه خسارة إيجابية أم سلبية حين تنصحين القادة العالميين في الحكومات والمجال التقني والمالي؟

سؤال صعب. عندما أنصح القادة، يجب الاتفاق على شيء مهم جدًّا: أن الفوضى والفرص واللايقين قوى ثابتة؛ فمتى وُجد اللايقين، استحال إنشاء نموذج توقُّعيّ شامل، ومن ثَم يستحيل إجراء هندسة عكسية لكل عامل فردي محتمَل قد يُفضي إلى استراتيجية «محصَّنة مستقبليًّا.» فالتحصين المستقبلي يَعد وعدًا خطيرًا: إذا فعلت شركةٌ كذا وكذا، فستجتنب التزعزُع. أيَتخل المرء استراتيجية «محصَّنة مستقبليًّا» للبيولوجيا التركيبية؟ حتى الآن تسعى البيولوجيا التركيبية إلى الانطلاق، فأمامنا عديد من السيناريوهات المستقبلية الممكنة.

إن الشركات تزدهر حينما تغرس ثقافة الفضول للمعرفة وتكافئ على استمرارية التعلُّم –لا مجرد التدرُّب على المعلومات الداخلية وما شابه، وإنما التزوُّد من المجالات الأخرى المرتبطة بها، ويعمل فيها مديرون يطرحون رؤية واضحة، لكنهم في الوقت ذاته يتيحون للموظفين رسم مساراتهم الخاصة.

ما المهن التي ترين «التركيب» سيطغى عليها أولًا؟ الظاهر أن مجال الترفيه في الطليعة حاليًّا.

نعم، الأمر واقع فعلًا. شاهدت مؤخرًا فيلم «بيل آند تيد،» ومعلوم أن جورج كارلين توفي من زمن طويل، لكن نسخته التركيبية ظهرت في الفيلم. في الترفيه تطبيقات عديدة، لا لمجرد عنصر الجِدة والحداثة، وإنما لأن بوسع المحتوى التركيبي أن يكون فعالًا من حيث الأداء والتكلفة. فوكالة رويترز أطلقت نموذجًا تركيبيًّا أوليًّا لمذيع يُقدِّم التقارير الرياضية بلا تدخل بشري، أي إن الذكاء الاصطناعي كتبها وحررها وأنتجها. فبدل جلب ممثل مرة أخرى لإعادة تصوير مشهد، وتحمُّل تكلفة أكثر ومشقة إعادة الجدولة وتأخير الإنتاج، بالوسع تعديل المشهد فقط بصوت أو فيديو تركيبي. وستشيع جدًّا الدبلجة الصوتية المؤَتـْمَتة، ويكفي أن يتخيل الواحد فيلمًا يمثل فيه براد بيت، ويُترجَم إلى العربية بصوت براد نفسه.

في آخر حديثك الخاص بساوث باي ساوث واست، قدمت سيناريوهَين لعام 2035، أحدهما كارثي وآخر تفاؤلي، وقلتِ إن لكل منهما احتمالًا نسبته 50%؛ فهلَّا طرحت خطوات محدَّدة يسع المسؤولين اتخاذها لضمان حدوث السيناريو التفاؤلي، الذي تؤدي فيه أزمة كوفيد-19 إلى التنسيق العالمي وتطوير التقنيات الحيوية النافعة للجِياع وما شابه!

يجب الانتباه لشيء مهم: صحيح أن كلًّا منا يعاني زعزعة شديدة، لكن توجد أيضًا فرصة، فإن أراد المرء مستقبلًا أفضل، فعليه أن يكون مستعدًّا لتضحيات قصيرة الأمد في الوقت الراهن؛ وعلى القادة تنحية سياساتهم الشخصية، والتخطيط للمدى البعيد، ومما لاحظته أنه ما مِن عدد كاف من القادة الذي يستوعبون الاستشراف الاستراتيجي، وأن منظمات قليلة جدًّا تبنَّت منهجًا رسميًّا للاستشراف الاستراتيجي بمفردات مشتركة، ومنظمات أقل استثمرت في القدرة المؤسسية لدعم استمرار جهود الاستشراف.

يَغلب على الإشارات والنزعات أن تكون مصادر خارجية تستعين بها الشركات التي تقدِّم أبحاثًا محدودة، ونمذجة السيناريوهات لا تُجرى إلا في جلسات التخطيط السنوية؛ وهذا خطأ، لأن تلك المنهجية لا إقرار فيها بالمؤثرات المتصلة بالمجال المعنيّ أو غير المتصلة، ولا بالآثار اللاحقة التي قد تنجم. فإذا اتفقنا على أن البيولوجيا والوسائط التركيبية والذكاءات الاصطناعية ستسبِّب تعقيدات كبيرة وغموضًا في الأعوام المقبلة، فعلى كل شركة أن تضع آلية للتوقع وتلتزمها.

في السيناريو الكارثي ستزداد فجوة الثروة والطبقات، فكيف قد يبدو هذا مع حسبان الاهتمام الحالي باللامساواة التي يعاني منها العالم؟

إن اللامساواة الاجتماعية لم تحدث فجأة، وإنما هي نتيجة أجيال من أناس يتخذون قرارات؛ والسؤال: فإلى أين نتجه من موقفنا الحالي؟ إذا قررنا جماعيًّا أنَّا نريد التغيير، فعلينا الاتفاق على التغيير المطلوب وبدء السعي، وفي الولايات المتحدة ما من اتفاق بعد، فنموذجي يَخلص إلى أن انتخاب نوفمبر/تشرين الثاني الأمريكية ستزيد الاختلاف والشقاق، والعنف أيضًا على الأرجح؛ وسدّ فجوات اللامساواة في الثروات والتعليم والعدالة الاجتماعية سيتطلب قيادة شجاعة في الظروف العصيبة، فبوسع شخص واحد بث الرعب في نفوس الجمهور، لكن يَلزم كثير من الناس –والوقت– لبذل الجهد اللازم لتغيير إيجابي مستدام.

تكلمتِ عن «البيولوجيا بوصفها منصة تقنيةإلى أي مدى تظنين أن الجائحة ستساهم في تحقيق ذلك؟

إنّ أمامنا فرصة، لقد اعتدنا وبرعنا في استغلال الموارد الطبيعية والعمليات الكيميائية لدعم أنفسنا، وأمامنا الآن فرصة كتابة شفرة جديدة قائمة على الأساس ذاته ككل صور الحياة على كوكبنا. إن البيولوجيا التركيبية تعدنا بمستقبل قائم على أقوى منصة تصنيع مستدامة امتلكها البشر، فنحن فعلًا على أعتاب تطور صناعي ثوري جديد؛ والجائحة سرَّعت التمويلات والأبحاث والتطورات البيولوجية، وهذا هو الجانب الإيجابي الذي كنا نتطلع إليه كلنا.

إن معهد المستقبل اليوم يُصْدر في كل عام تقارير عن أهم النزعات، فكم تغيرت تلك النزعات بعد فيروس كورونا؟

نحن نرصد النزعات والتوجهات المطوَّلة، لا مجرد الموضات الرائجة في فترات قصيرة؛ ولا ريب في أن الفيروس سرَّع نزعات كثيرة: المراقبة المتواصلة، والأتمتة المنزلية واللوجستية، والتوصيل بالطائرات بلا طيار، وتسريع البحث العلمي بالذكاء الاصطناعي، وعديدًا من التوجهات المتعلقة بالتقنيات الحيوية والطلب والبيولوجيا التركيبية.

ذكرتِ أن الولايات المتحدة والصين تهيمنان على مجال الذكاء الاصطناعي وما شابه، فكيف للابتكارات أن تتقدم من غير أن تخلِّف وراءها مناطق شاسعة من العالم؟

إننا ما زلنا في البداية، لكن يوجد قادة بالفعل، هما الرائدتان المعتادتان: الولايات المتحدة والصين؛ وأعلم أن دولة الإمارات تبذل جهدها لإطلاق سوق ذكاء اصطناعي لديها، والهند مثلها. في مجال البيولوجيا التركيبية خطوات عظيمة تُتخذ، في الهند وفرنسا وكندا وألمانيا، وستلعب تقنية الجيل الخامس دورًا كبيرًا في تطوير تلك التقنيات؛ لكني قلقة أن تتخلف الدول التي لا تسرِّع شبكات الجيل الخامس.

لا يلزم أن تكون الزعزعة كارثية، فقد تكون فرصة للابتكار والتحسين والتطوير. فممكن النظر إلى الموضوع من ناحية أن كثيرين سيُخلَّفون عن عقد التركيب، وممكن النظر إليه من ناحية أنهم مَن اختاروا ألا يشاركوا ويصنعوا أفضل مستقبل لهم.

بقلم: جيسيكا كلين

– المصدر: عالمة المستقبليات إيمي ويب: العقد المقبل لتركيب الأشياء وفق حاجاتنا على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.