الأخبار

الزمكان: سرّ رحلة الكون من البداية حتى النهاية

حقوق الصورة: Chris Gash


 

“أنت في هذه اللحظة، تعيش في عالم أكثر جمالًا وتعقيدًا مما يمكن للعقل البشري تصوّره” – ميشيل ثالر

 

قبل 13.8 مليار سنة، نشأ كوننا مع الانفجار العظيم ليتمدّد في جزءٍ أقل من الثانية، من نقطةٍ بحجمٍ أقلّ من حجم الذرة إلى شيءٍ بحجم كرة القاعدة، كان الأمر كما لو أن حبة رمل كَبُرت فجأة لتصبح بحجم الكون المرصود، وتلك هي لحظة التضخم لبقعة الزمكان التي نشأت مع الانفجار العظيم. يُعرف الزمكان بأنه وسطٌ رباعيّ الأبعاد يتألف من ثلاثة أبعاد مكانية وبعد واحد زماني، وهذا الوسطُ هو ببساطة: الكون. فهل استطعنا بالفعل بعد مليارات السنين أن نفهم ماهية الزمكان؟

 

يرجعُ الفضلُ الأساسيُّ في اكتشاف الزمكان إلى الرياضيّ الألمانيّ هيرمان مينكوفسكي Hermann Minkowski الذي عاصر ماكس بلانك، ولورنتز، وأينشتاين، وبواركيه، وكوفمان، وبوخرير، وغيرهم ممّن ساهموا في تشكيل الفهم الحالي للزمكان:

 

مينكوفسكي والنسبية الخاصة


قدّم الفيزيائيّ الألمانيّ ألبرت أينشتاين Albert Einstein سنة 1905 نظريته البارزة، النسبية الخاصة، وواجه بعض التحديات كتناقض نظريته مع تجارب الفيزيائي الألماني والتر كوفمان Walter Kaufmann لاختبار اعتماد سرعة الجسم على كتلته، وبشكلٍ خاص مع تجربته التي رصد فيها انكسار أشعة بيتا (إلكترون أو بوزترون) في المجالات الكهربائية والمغناطيسية. لم تتفق مشاهداتُ كوفمان مع معادلات لورنتز التي تُعتبر الأساس الذي تقوم عليه النسبية الخاصة. من جهةٍ أخرى، أجرى الفيزيائي الألماني ألفريد بوخرير Alfred Bucherer عدة تجارب مشابهة حول “الكتلة النسبية”، تطابقت نتائجها في كل مرة كرّرها في سنة 1908 مع معادلات لورنتز-أينشتاين، لتُصدَّق النظرية أخيرًا بشكلٍ تجريبي.

 

وإلى جانب بوخرير، قدّم مينكوفسكي إسهاماتٍ كان لها الأثر الأكبر على تشكيل النظرة المستقبلية للنظرية:

 

كان مينكوفسكي مهتمًّا بتحليل عالم الفيزياء النظرية الألماني ماكس بلانك Max Planck لـ”إشعاع الجسم الأسود”، والذي كان في الحقيقة المدخل الأساسي للرياضيّ مينكوفسكي إلى فهم الزمكان. يُذكر أن بلانك سُئل في امتحانٍ له عن شرح إشعاع الجسم الأسود، السؤال الذي لم يستطع أحدٌ في ذلك الوقت الإجابة عليه، ليأتي بلانك بحلٍّ أقرب للجنون حينما وصف موجةً كهرومغناطيسيةً وحلّل حركتها على أنها جسيم، ووضع معادلته الشهيرة التي لا يكاد يوجد جانبٌ في فيزياء الكمّ إلا وتضمّنها:

E=hv : الطاقة تساوي تردد الجسم مضروبًا بثابت بلانك

ما يعني أن طاقة الجسيم لا تعتمد إلا على تردده، وبهذا عامل الموجة والجسيم كشيءٍ واحد.

 

هيرمان مينكوفسكي

هيرمان مينكوفسكي

 

خلال عمله في جامعة غوتينغن Göttingen الألمانية قدم مينكوفسكي في عامي 1906 و1907 محاضرات عن “الإشعاع الحراري”، وهو إشعاع الجسم الأسود، أشار فيها إلى إسهامات بلانك في أسس الديناميكا الحرارية النسبية التي أشاد فيها الأخيرُ بصياغة أينشتاين نهجًا عامًّا لمبدأ النسبية في الأنظمة القابلة للدراسة.

 

وبحلول خريف 1907 كان مينكوفسكي قد وجد نتائجَ هامةً لنظرية النسبية الخاصة، ليس فيما يخص الديناميكا الحرارية فحسب، ولكن للفيزياء ككلّ. وفي التاسع من أكتوبر/تشرين الأول كتب إلى أينشتاين طالبًا منه نسخةً عن أول ورقة نشرها عن النسبية، والتي كان بلانك قد أشار إليها في وقت سابق. بعد أقل من شهر قدّم مينكوفسكي في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني محاضرة في غوتينغن بعنوان “في مبدأ النسبية في الديناميكا الكهربائية: شكلٌ جديدٌ لمعادلات الديناميكا الكهربائية”.

 

كانت المحاضرة أمام المجتمع الرياضيّ فرصةً لمينكوفسكي لكشف النقاب عن برنامجه البحثيّ الجديد: إعادة صياغة قوانين الفيزياء لتلائم وسطًا رباعيّ الأبعاد استنادًا إلى معادلات لورنتز. ولاحقًا في سبتمبر 1908 كان مينكوفسكي قد وضع بالفعل “الرسم البياني للزمكان”، الذي يمكن عليه تحديد أي حدثٍ بمعرفة معلومتين عنه: زمانه ومكانه، وأُطلق عليه اسم “زمكان مينكسوفسكي” (Minkowski spacetime).

 

الرسم البياني للزمكان. يمثل المحور السيني المكان "x"، والمحور الصادي الزمن "t" مضروبًا بسرعة الضوء "c" لكي يعبّر كلا المحورين عن المسافة. والنقطة P تمثل إحداثيات حدث ما في الكون مكانه x ووقت حدوثه t.

الرسم البياني للزمكان. يمثل المحور السيني المكان “x”، والمحور الصادي الزمن “t” مضروبًا بسرعة الضوء “c” لكي يعبّر كلا المحورين عن المسافة. والنقطة P تمثل إحداثيات حدث ما في الكون مكانه x ووقت حدوثه t.

 

استطاع مينكوفسكي مع إسهامات العديد من فيزيائيّي ورياضيّي وعلماء عصره اكتشاف أن كوننا رباعيّ الأبعاد يتألف من ثلاثة أبعاد مكانية وبعدٍ واحدٍ زماني، أو بمعنى آخر: كونُنا هو الزمكان.

 

الجاذبية والزمكان


بدأ الزمكان مع الانفجار العظيم، ثم مرّ في حالة تمددٍ بدأت مع حقبة التضخم التي تلت الانفجار العظيم مباشرةً ليستمرّ التمدد بعدها إلى اليوم. لم تكن أرجاء الزمكان متساوية الكثافة، ما جعلها تتمدّد بشكلٍ مختلفٍ من بقعةٍ لأخرى، فمهما كان الاختلاف ضئيلًا كالواحد إلى المئة ألف مثلًا، فإن ذلك كافٍ لخلق تقلباتٍ في تمدد الزمكان. تلك التقلبات التي سمحت لكوننا الحالي بالتشكل بعد أن برد الكونُ وتحولت الطاقة إلى مادة، إذ تكتّلت المادة في المناطق الأعلى كثافةً التي كانت -بطبيعة الحال- الأعلى كتلةً.

 

ومع اختلاف الكتلة من بقعةٍ لأخرى، اختلف تشكّل المكان أيضًا؛ الأبعاد الثلاثة في الزمكان:

 

المكانُ ليس ثابتًا، إنما ينحني ويغيّر من شكله ويلتوي اعتمادًا على المادة الموجودة فيه، والكتلة تحني الزمكان، ما يعني أن أي مادة من شأنها أن تسبّب انحناءً في الزمكان، ويُعرف هذا الانحناءُ بالجاذبية. بإمكاننا القول إن الجاذبية مختلفةٌ عن أي قوةٍ أخرى بارتباطها الوثيق بانحناء الزمكان، وإن أي شيءٍ يحني الزمكان يملك جاذبية.

 

كان أينشتاين قد طوّر هذه الفكرة حينما قال إن المكان شيءٌ من الممكن أن ينحني وأن يتمدّد، ونحن مرتبطون ببعضنا البعض من خلال الزمكان. إن لدى الزمن والمكان هندسةً خاصةً بهما، وديناميكيات فيما بينهما يُطلق عليها الجاذبية. وكلما كانت المادة أكثر كثافةً كانت الجاذبية أكبر وكان الانحناء في الزمكان أكبر. يمثّل هذا الارتباط بين الزمن والمكان الأساس لواقعنا الفيزيائي، بينما شكّلت التفاعلات بين المادة والطاقة داخل الزمكان الكون الذي نراه اليوم.

رسم توضيحي للانحناء الذي تسبّبه الكرة الأرضية في الزمكان بفعل كتلتها وجاذبيتها.  حقوق الصورة: NASA

رسم توضيحي للانحناء الذي تسبّبه الكرة الأرضية في الزمكان بفعل كتلتها وجاذبيتها. حقوق الصورة: NASA

 

فبعد أن تكتّلت المادة في المناطق الأعلى كثافة، جذبت المادة من حولها لتشكل أول نواة، ثم أول ذرة، ثم أول نجم، ثم مجموعة من النجوم، ثم مجرة، ثم مجموعة من المجرات، ثم الكون!

 

تخيل إذا لم يمتلك الزمكان خاصية الانحناء للكتلة، كيف كان من الممكن أن يبدو كوننا اليوم؟ مجرد غيمة كبيرة جدًّا من الهيدروجين…

 

رصد انحناءات الزمكان


كانت سنة 2015 سنة الحظ بالنسبة لمن عمل في مرصد لايغو LIGO observatory في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث رُصدت لأول مرة موجات الجاذبية:

 

تُعرف موجات الجاذبية بأنها اهتزازاتٌ ناتجةٌ عن أحداث كونية تنتقل عبر مادة الزمكان. ولإطلاق هذه الموجات فإننا بحاجة إلى أقوى الأحداث التي يشهدها الكون، كاصطدام ثقبين أسودين على سبيل المثال. فعندما يصطدم ثقبان أسودان ترسل الطاقة المنبعثة عن هذا الاصطدام موجاتٍ في الزمكان تعبر الكون، ولكن بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى الأرض، تكون صغيرةً جدًّا لدرجة تمنعنا من قياسها، إلا أن العلماء قد تمكنوا بالفعل من ذلك، وهذا ما أشعرهم بلحظات فخرٍ وسعادةٍ ليس لها مثيل.

رسم توضيحيّ لموجات الجاذبية الناجمة عن اصطدام ثقبين أسودين.  حقوق الصورة: The SXS (Simulating eXtreme Spacetimes) Project

رسم توضيحيّ لموجات الجاذبية الناجمة عن اصطدام ثقبين أسودين. حقوق الصورة: The SXS (Simulating eXtreme Spacetimes) Project

 

يقول الأستاذ في الفيزياء الفلكية النظرية في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا، سكوت هيوز Scott Hughes: “لا زلتُ أذكر لحظة رؤيتي هذه التموّجات للمرة الأولى، إنها أشبه برؤيتي لوجه ابنتي أول مرة. لقد تركت عليّ هذا الأثر العاطفيّ الكبير. آتى العملُ الصعبُ الذي واصلنا القيام به ثمارَه في لحظةٍ واحدة، هذا أمرٌ مذهل!”.

 

يمكنني تفهم مشاعر هيوز جيدًا، فقد استطاع هو وزملاؤه رصد الموجات القادمة من اصطدام ثقبين أسودين وسماعها، حتى أنها حملت ترددًا يدخل في نطاق تردد الصوت الذي يمكن للأذن البشرية سماعه. يشبه الأمر مشاهدتهم لاصطدام ثقبين أسودين في قاعة سينما، هل يمكن للأمر أن يكون مذهلًا أكثر؟!

 

يمكنكم الاطلاع على البيان الذي نشره مرصد لايغو حول رصد موجات الجاذبية بعد 100 عام من تنبّؤ أينشتاين من خلال الرابط.

 

وفي سنة 2016 رصد الفلكيون انحناء الضوء بشكل مباشر مع مجرة حمراء تبعد عنا 7 مليارات سنة ضوئية، تحني الضوء القادم من مجرة زرقاء مخفية خلفها. لقد شوهد انحناءُ الضوء وتشوّه الزمكان بفعل جاذبية المجرة، ولدى النظر إلى ضوء مجرة يمرّ من أمام حشد مجريّ فإننا نرصد عدة صور للمجرة وكأن الحشد بالفعل عبارة عن زجاج مرّ الضوء منه، وهذا ما أطلق عليه العلماء اسم “عدسة الجاذبية” (Gravitational lensing):

 

لدى مرور ضوء المجرة بالقرب من حشد مجراتٍ أو ثقبٍ أسود، ودخوله نطاق تأثيرهم الجاذبيّ، ينحني الضوء بفعل الجاذبية ليسلك خطوط سيرٍ مختلفة، وهنا يرسمُ الضوءُ عدةَ صورٍ للمجرة في عدة أماكن. وبما أن الضوء يخبرنا عن مكان المجرة، فإننا حين نرى الضوء في مكانٍ بعيدٍ عن خطّ سيره الأصلي، سنرى المجرة كذلك في مكانٍ مختلفٍ عن مكانها الأصلي، أو المكان الذي كانت فيه حينما أطلقت شعاع الضوء ذلك.

رسم توضيحيّ لما تحدثه ظاهرة عدسة الجاذبية.  Galaxy: المجرة البعيدة الباعثة للضوء.  Galaxy Cluster: الحشدُ المجريُّ الذي أحنى الضوء بجاذبيته.  Lensed Galaxy Emages: موقعُ المجرة كما يظهرُ بعد تحرك ضوئها عن مساره الأصلي.  Distorted Light rays: أشعةُ الضوء المنحرفة.  Earth: الأرض أو الراصد الذي يستقبلُ مواقع المجرةِ غير الحقيقية.  حقوق الصورة: Nasa / Esa / L. Calcada

رسم توضيحيّ لما تحدثه ظاهرة عدسة الجاذبية. Galaxy: المجرة البعيدة الباعثة للضوء. Galaxy Cluster: الحشدُ المجريُّ الذي أحنى الضوء بجاذبيته. Lensed Galaxy Emages: موقعُ المجرة كما يظهرُ بعد تحرك ضوئها عن مساره الأصلي. Distorted Light rays: أشعةُ الضوء المنحرفة. Earth: الأرض أو الراصد الذي يستقبلُ مواقع المجرةِ غير الحقيقية. حقوق الصورة: Nasa / Esa / L. Calcada

 

تقدّم لنا عدسة الجاذبية وموجات الجاذبية نظرةً هامةً حول العلاقة المعقدة بين الجاذبية والمكان، ماذا عن النصف الآخر من المعادلة؛ الزمن؟

 

البعد الرابع: الزمن


لطالما ظننّا أن الزمن لا يمكن أن يتغير، فهو يتدفق ببساطةٍ نحو الأمام بمعدلٍ ثابت، لكن الأمر مختلفٌ في الكون الذي نعيش فيه، فالجاذبية لا تحني المكان فقط، بل إنها تحرف الزمن أيضًا، وعندما تؤثر المادةُ على شكل المكان فإنها تؤثر على تدفق الزمن كذلك. إذًا فالزمن يتغير ويتباطأ، وقد يتوقف! يعتقد العلماءُ أنه قد يكون من الممكن السفرُ عبر الزمن إلى المستقبل (لا يبدو السفرُ إلى الماضي أمرًا ممكنًا في كوننا).

 

الزمنُ لا يمرّ فحسب إنما هو جزءٌ أساسيٌّ من كوننا ومن نسيج الزمكان، ولا يمكن أن يوجد المكان دون وجود الزمن معه، فالانفجار العظيم كان بدايةً لكليهما: المكان والزمن، ومنذ ذلك الحين يمتدّ المكانُ ويمضي الزمنُ قدمًا، هذا ما كانا يفعلانه طوال الـ13.8 مليار سنة الماضية لتشكيل كوننا الحالي.

 

لا يختلف الأمر كثيرًا عن المكان، فمثلما تحني الأجسام الأضخم كتلةً وجاذبيةً المكانَ بشكلٍ أكبر، تملك تلك الأجسامُ تأثيرًا أكبر على الزمن، وحول الثقب الأسود، تصبح الأمور أكثر إثارةً للاهتمام؛ حيث يلتفّ الزمكانُ ويلتوي بشدةٍ، ما يؤدي إلى إبطاء الوقت بشكلٍ من شأنه جعل الإنسان يكبر أبطأ من أحفاده، مثلما تتنبّأ معضلة التوءم الشهيرة (Twin paradox). يحلمُ العلماءُ باختبار فرضية تشوّه الزمن ورصد تباطئه كلما اقتربنا من الثقب الأسود، من خلال إرسال مسبارٍ إلى هناك، لكن ذلك لا يبدو ممكنًا في الوقت الحالي.

 

ومع ذلك، بإمكاننا ملاحظة الفرق في تدفق الزمن بين وسطين مختلفي الجاذبية حتى لو كان ضئيلًا، كالفرق بين الزمن على سطح الأرض وبين ارتفاع اثني عشر ألف ميل ونصف؛ حيث توجد مجموعةٌ من الأقمار الصناعية لتحديد المواقع العالمية في أنظمة الملاحة والسيارات والهواتف المحمولة. يستخدم معظمُنا نظام GPS لتحديد المواقع، ولا يستطيع بعضُنا الابتعاد عن بيته أكثر من كيلومتر بدونه. يردّد مستقبل GPS في هاتفك المحمول الإشارات عبر أربعة أقمار صناعية لمعرفة مكانك بالضبط. على متن كل قمر صناعيّ توجد ساعة ذريّة، وكلما كانت الجاذبية في المدار أقل دقّت ساعات القمر الصناعيّ أسرع جزئيًّا من تلك الموجودة على الأرض.

 

إذا لم يُصحَّح الساعة وفقًا لذلك، لن يعمل نظامُ GPS هنا على الأرض.

 

ومثلما تحكّم الزمكانُ في كل مرحلة من مراحل تطوّر الكون منذ نشأته، سيحدّد أيضًا كيف سينتهي الكون:

 

الزمكان والنهاية


منذ 13.8 مليار سنة وحتى اليوم كان الزمكان في حالة توسّع مستمرة. لم تستطع الجاذبية إيقاف هذا التمدد أو إبطاءه مثلما ظننّا في السابق، بل إن قوةً أخرى تعمل بعكس تأثير الجاذبية تجعل التمدّد متسارعًا؛ أي أن الكون كان يتسارع في السابق بشكلٍ أبطأ ممّا هو عليه اليوم، ويأتي مصدرُ هذه القوة من الطاقة المظلمة.

 

يعتقد العلماءُ أن الطاقة المظلمة جاءت بعد مرور 7 مليارات سنة على نشأة الكون، ربما كانت هناك في الأصل لكن تأثيرها بدأ يظهر في ذلك الوقت، من أجل ذلك يُقدّر عمرُ الطاقة المظلمة بـ6.8 مليار سنة (اختلفت الدراساتُ في تقدير عمر الطاقة المظلمة، لكنها تشير إلى أنها لم توجد في الأربعة مليار سنة الأولى -على الأقل- من عمر الكون).

 

تدفع الطاقة المظلمة أرجاء الزمكان بعيدًا عن بعضها البعض، لكننا لا نعرف حتى الآن ماهية هذه الطاقة، وهل هي دخيلةٌ على الزمكان أم أنها خاصيةٌ من خصائصه، وإلى متى ستستمرّ في توسيعه بهذا الشكل المتسارع؟

 

إذا استمرّت الطاقة المظلمة بعملها هذا سينتهي الأمر بكوننا فاقدًا الحرارة تمامًا بعد أن تتلاشى المادةُ فيه؛ يُسمّى هذا السيناريو بـ”التجمد العظيم” (The big freeze). وهو بحاجةٍ إلى تريليونات السنين ليتحقق.

 

لكن أشارت دراسةً أُجريت في سنة 2017 إلى سيناريو مخيف أكثر: الطاقة المظلمة قد تزداد قوةً!

 

إذا زادت قوة الطاقة المظلمة قد تتمكن من التغلب على الجاذبية نفسها، وستمزّق حتى الثقوب السوداء! ستمزّق العناقيد المجرية ثم المجرات، حتى درب التبانة ستُمزَّق، ثم سينهار النظام الشمسي، وفي النصف ساعة الأخيرة من عمر الكون ستنفجر الأرض، وفي الثانية الأخيرة ستتبخّر الذرات.

 

إنها نهايةٌ مخيفةٌ ومحبطةٌ ربما أكثر من أي نهايةٍ أخرى، ويُطلق عليها اسم “التمزق العظيم” (The big rip).

 

لكن لا يزال مستقبل الزمكان، بل ماهيته نفسها، مجهولَين بالنسبة لنا. ولفهمهما لا يكفينا فقط النظرُ من خلال أجهزة التلسكوب الرائعة، بل علينا أن نفهم الطبيعة الأساسية للزمكان. ربما يكون كونُنا جزءًا من دائرةٍ لن تتوقف أبدًا، وربما كان الانفجار العظيم نتيجةً لموت كونٍ سابق، وهي سيناريوهات مطروحةٌ بالفعل. نحن لا نعرف الحقيقة حول ذلك، وفي جميع الأحوال، تبدو النهايةُ بعيدةً عنا، إلا إذا كانت الطاقةُ المظلمةُ أكثر جنونًا ممّا يمكن لنا تخمينُه.

 

ربما أمام كل سؤال أجاب عنه المقال، طرح أسئلةً أخرى. ولكن أليس هذا هو كونُنا، وأليست هذه هي عظمتُه؟ مليءٌ بكل شيء: ما نفهمه، وما نتصوّره، وما نتوقعه، وما لا يمكننا رؤيته حتى لو كان موجودًا أمامنا، وما لا يمكننا تصوّره.

 

المراجع


وثائقي “ما هو الزمكان وكيف يعمل” لشبكة أدفيكسون للعلوم.

“الأصول التاريخية للزمكان” لسكوت والتر.

“الفيزياء الحديثة للعلماء والمهندسين” لستيفن ثورنتن وأندرو ريكس.

“ماكس بلانك يحل مشكلة إشعاع الجسم الأسود” على الموقع الرسمي لمختبر المسارع الوطني فيرمي.

“ما هي عدسة الجاذبية” لبريان كوبرلين” على موقع Universe Today.


ناسا بالعربي

هي مبادرة علمية تطوّعية، موجّهة إلى الناطقين باللغة العربية، تأسست بتاريخ 1 يناير/كانون الثاني 2013، ثمّ اتّسع نطاقها بجهود مجموعة من المتطوعين الذين يجمعهم إيمان عميق بأهمية العلم والعمل التطوعي ودورهما في تمكين المجتمعات والنهوض بها وتطويرها.