الأخبار

حصول العلماء على أفضل نظرة على الإطلاق لغلاف المشتري الجوي وعواصفه

عرض مُفصل من مرصد جيميناي بتاريخ 29 أيار/مايو 2019 لكوكب المشتري في ضوء الأشعة تحت الحمراء. حقوق الصورة: International Gemini Observatory/NOIRLab/NSF/AURA, M.H. Wong (UC Berkeley) and team).

لطالما كان جو المشتري شديد الظلمة وعاصفا، والآن، لقد حصل العلماء على النظرة الأكثر تفصيلا للعواصف الجامحة التي تحوم عبر الغلاف الجوي للعملاق الغازي.

يعود الفضل في عمليات الرصد تلك إلى الشراكة القوية التي تمت على سطح كل من الأرض والمشتري، إذ ساهم بها كل من: مركبة جونو التي تدور حول كوكب المشتري منذ عام 2016، وتليسكوب هابل التابع لناسا، والذي قام بفحص دقيق لأكبر كواكب نظامنا الشمسي على امتداد عقود عمله الثلاثة، بالإضافة إلى مرصد جيميناي Gemini Observatory والذي ساعد في دعم تلك العمليات من الأرض من مقره في هاواي.

قالت إيمي سيمون Amy Simon، عالمة فلك من مركز غودارد لرحلات الفضاء الواقع في ولاية ماريلاند، في بيانٍ لناسا: “نحن نتعلم المزيد عن طقس المشتري بصفة دورية، نظراً لأن لدينا حالياً مجموعة من المراصد المختلفة التي تُزودنا بصور عالية الدقة وعند أطوال موجية مختلفة” وأضافت “إيمي” المختصة في الأجواء الكوكبية، والتي شاركت في البحث الجديد: “سيمكننا هذا أخيراً من دراسة دورات مناخ المشتري، فهذه المراصد تضاهي قمراً صناعياً خاصا بدراسة الطقس”.

إن طقس المشتري طقس متنوع يصلح للدراسة، فهناك الكثير من العواصف التي تجتاح جو هذا العملاق الغازي إلى جانب إعصاره الشهير المعروف بالبقعة الحمراء العظيمة Great Red Spot، وتتميز هذه العواصف الهائلة بأنها ترسل برقاً بوميضٍ أقوى من الصواعق الأرضية بثلاث مرات، وتكون سحبها الرعدية على ارتفاعات أعلى من نظيرتها الأرضية بخمس مرات.

تقوم جونو منذ بدء مهمتها بجمع البيانات كل 53 يوما في وقت تحليقها فوق أعالي سحب المشتري عند النقطة الأكثر مقربةً من مركزه والتي تُعرف باسم Perijove، ويساعد مقياس إشعاع الموجات الدقيقة Microwave Radiometer جونو في الرصد، وهو جهاز مخصص لرصد ومضات البرق على الكوكب، وكذلك لدراسة تأثير كل من الأمونيا وبخار الماء على غلافه الجوي.

حرص العلماء القائمون على هذه الدراسة على تنسيق جهود تليسكوب هابل ومرصد جيميناي بالتعاون مع المركبة جونو لدراسة المشتري، بحيث يتم دراسة النشاط الخارجي للغلاف الجوي للكوكب من قبل تليسكوب هابل ومرصد جيميناي في الوقت الذي تدور حوله جونو لدراسة إحدى بقاعه.

يقوم هابل بدراسة الكوكب في نطاق الضوء المرئي، ويُمكن العلماء من قياس إرتفاع التيارات الحرارية، بينما يتمعن مرصد جيميناي في الوقت ذاته في النظر بضوء الأشعة تحت الحمراء في ثغرات السحب عالية الإرتفاع، والتي يظن العلماء أن الهواء الأكثر جفافاً ينتقل من خلالها ليستقر في السحب المائية الموجودة في الطبقات العميقة من غلاف الكوكب.

صورة توضح جميع عمليات رصد البقعة الحمراء العظيمة لكوكب المشتري، والتي اشترك فيها كل من تليسكوب هابل الفضائي ومرصد جيميناي في آن واحد. تم جمع هذه البيانات يوم 1 نيسان/أبريل 2018 خلال التحليق الثاني عشر لجونو عند نقطته الأقرب "Perijove" يُظهر الجانب الأيسر (العلوي والسفلي) من الصورة البقعة الحمراء في الضوء المرئي بعيون هابل، بينما ظهرت في أعلى اليمين من خلال مرصد جيميناي الذي نسق المناطق الساطعة من الأشعة تحت الحمراء مع المناطق الداكنة التي تم رصدها في الضوء المرئي.  حقوق الصورة: (NASA, ESA, and M.H. Wong (UC Berkeley) and team)

صورة توضح جميع عمليات رصد البقعة الحمراء العظيمة لكوكب المشتري، والتي اشترك فيها كل من تليسكوب هابل الفضائي ومرصد جيميناي في آن واحد. تم جمع هذه البيانات يوم 1 نيسان/أبريل 2018 خلال التحليق الثاني عشر لجونو عند نقطته الأقرب “Perijove” يُظهر الجانب الأيسر (العلوي والسفلي) من الصورة البقعة الحمراء في الضوء المرئي بعيون هابل، بينما ظهرت في أعلى اليمين من خلال مرصد جيميناي الذي نسق المناطق الساطعة من الأشعة تحت الحمراء مع المناطق الداكنة التي تم رصدها في الضوء المرئي. حقوق الصورة: (NASA, ESA, and M.H. Wong (UC Berkeley) and team)

إن لم تبد هذه الملاحظات جديرة بالإعجاب بشكل كافٍ بالنسبة لك، فعليك أن تتأمل مدى دقة مرصد جيميناي، إذ تمكن من التقاط سمات مميزة عبر الكوكب في ضوء الأشعة تحت الحمراء بدقة وصلت إلى 300 ميل/ 500 كيلومتر.

قال أندرو ستيفينز Andrew Stephens، وهو عالم فلك من مرصد جيميناي، وقائد تنسيق الملاحظات، في بيانٍ: “يستطيع التليسكوب التابع للمرصد بهذه الدرجة من الدقة أن يتبين مصباحين أماميين لسيارة في ميامي من مدينة نيويورك!”

حلقت جونو 26 مرة بالقرب من الكوكب حتى الآن، مما يعني أن ثلاثي المراصد قد جمع نسبة معتبرة من البيانات حول جو المشتري، وأن ما تم إصداره حتى الآن هو فقط الإستنتاجات الأولية منها.

ووفقاً لهذه الإستنتاجات فإن البرق كان يحدث بكثرة في ظل الظاهرة التي أطلق عليها العلماء إسم “الأعاصير الخيطية”، والتي قال عنها مايكل وونغ Michael Wong، عالم الفلك التابع لجامعة كاليفورنيا، والمؤلف الرئيسي للدراسة، في بيانٍ لوكالة ناسا: “قد تكون دوامات الأعاصير تلك بمثابة خزانات تحوي الطاقة الداخلية للكوكب، وتساعد في تحريرها من خلال الأعمدة الحرارية.”

إذ تقوم الأعمدة الحرارية بجذب الحرارة بين طبقات الغلاف الجوي للمشتري صعوداً وهبوطاً وفقاً لعوامل الرطوبة ودرجة الحرارة، ويتم ذلك بالمثل في غلاف الأرض الجوي مع اختلافات طفيفة.

صورة توضيحية تبين مختلف التقنيات التي ساعدت العلماء في دراسة جو المشتري.  حقوق الصورة: (NASA, ESA, M.H. Wong (UC Berkeley), and A. James and M.W. Carruthers (STScI))

صورة توضيحية تبين مختلف التقنيات التي ساعدت العلماء في دراسة جو المشتري. حقوق الصورة: (NASA, ESA, M.H. Wong (UC Berkeley), and A. James and M.W. Carruthers (STScI))

أضاف وونغ في بيان مرصد جيميناي: “إن طاقة الحرارة الداخلية للمشتري تتدفق إلى أعلى لتصل إلى قمم السحب المرئية نتيجة للأعمدة الحرارية، ويسفر عن هذا السريان المضطرب حدوث البرق الذي اتبع العلماء دراسة مصادره لمعرفة الفوارق بين الأعمدة الحرارية في غلاف المشتري وغلاف الأرض الجوي، وكذلك لأنه مؤشر على حدوث الأعمدة الحرارية.”

أضافت هذه الدراسة لعلماء الفلك إجابة عن سؤالٍ حول عاصفة البقعة الحمراء الشهيرة والتي تهب منذ قرون، فلطالما وضعت البقع الداكنة الظاهرة بها العلماء في حيرة من أمرهم، إذ تساءلوا عن ماهيتها، هل تحدث بسبب مركب آخر في غلاف المشتري الجوي؟ أم أنها ثغرات في غطائه السحابي؟

وقد هيأت البيانات التي تم جمعها من هابل وجيميناي في وقتٍ متقارب فرصة للإجابة عن هذا السؤال بدلالة سلوك السحب المائية العميقة في ضوء الأشعة تحت الحمراء، إذ تبدو في سطوعٍ شديد، مثلما هو الحال مع البقع الداكنة، وبهذا فعلى ما يبدو أن السبب وراء تلك البقع هو وجود ثقوب في السحب العليا للمشتري.

قال وونغ معلقاً عن الصورة: “إنها أشبه بفانوس جاك” بمعنى أن المناطق الخالية من السحب تسمح بمرور الأشعة تحت الحمراء وتبدو ساطعة، بعكس المناطق الغنية بالسحب والتي تحجب ضوء الأشعة.”

الصور التي التقطها مرصد جيميناي لكوكب المشتري في الأشعة تحت الحمراء، بتاريخ 8 نيسان/أبريل 2019. التقطت هذه الصور بواسطة تليسكوب المرصد، والذي يلتقط عدة صور خلال عملية رصده، ليختار العلماء منها الصور الأكثر وضوحاً-مثل الصورة اليمنى-والتي لم تظهر مشوشة أو حادة بدرجة غير مقبولة تأثراً بغلاف الأرض الجوي.  حقوق الصورة: (International Gemini Observatory/NOIRLab/NSF/AURA M.H. Wong (UC Berkeley) and team)

الصور التي التقطها مرصد جيميناي لكوكب المشتري في الأشعة تحت الحمراء، بتاريخ 8 نيسان/أبريل 2019. التقطت هذه الصور بواسطة تليسكوب المرصد، والذي يلتقط عدة صور خلال عملية رصده، ليختار العلماء منها الصور الأكثر وضوحاً-مثل الصورة اليمنى-والتي لم تظهر مشوشة أو حادة بدرجة غير مقبولة تأثراً بغلاف الأرض الجوي. حقوق الصورة: (International Gemini Observatory/NOIRLab/NSF/AURA M.H. Wong (UC Berkeley) and team)

يستفيد العلماء حالياً من هذه البيانات في دراسة: موجات الجاذبية الخاصة بالغلاف الجوي، والدوامات الإعصارية، وعواصف الأعمدة الحرارية، ونطاقات الرياح. وقد تمكنوا كذلك من دراسة الظواهر الجوية القطبية مثل تكون الضباب. وليس ذلك فحسب، بل يتوقع العلماء أن تساهم عمليات الرصد الأخيرة في حل العديد من الألغاز العلمية المحيرة.

ستحلق جونو ثانيةً بالقرب من المشتري في أوائل حزيران/يونيو المقبل، ومن المقرر أن تستمر مهمتها-على أقل تقدير-حتى الصيف القادم.

ورد هذا البحث في الورقة العلمية التي نشرت في المجلة الفيزيائية الفلكية بتاريخ 1 نيسان/أبريل.

ناسا بالعربي

هي مبادرة علمية تطوّعية، موجّهة إلى الناطقين باللغة العربية، تأسست بتاريخ 1 يناير/كانون الثاني 2013، ثمّ اتّسع نطاقها بجهود مجموعة من المتطوعين الذين يجمعهم إيمان عميق بأهمية العلم والعمل التطوعي ودورهما في تمكين المجتمعات والنهوض بها وتطويرها.