فيروس كورونا

جائحة فيروس كورونا المُستجد تدفع شركات التقنية الكبرى للتغيير السريع

عجلت الجائحة التغييرات التي بدأت فعلًا في المجتمع، كالتعلم والعمل عن بعد والصحة الإلكترونية وتحسين الخدمات اللوجستية. وبذلك جنت كثير من شركات التقنية الكبرى أرباحًا طائلة حتى في فترة الجائحة.

وقاد الرئيس التنفيذي السابق لجوجل إيريك شميدت نقاشًا عن التغيير المقبل في نيويورك بعد الجائحة بالتركيز على الصحة والتعليم والعمل عن بعد. وطُلب من بيل جيتس المساعدة في تطوير نظام تعليمي ذكي.

وتعرضت القطاعات الحكومية والصحية والتعليمية لتغييرات واسعة على مستوى التحول الرقمي في الفترة الأخيرة. ويرى كثير من الخبراء أن هذه القطاعات تشكل أهدافًا مميزة لشركات التقنية الكبرى. ومنهم الصحفية نعومي كلاين التي تتوقع أن يؤدي التغيير في هذه المجالات إلى تغيير حياتنا بشكل سريع جدًا.

وتتبع التغييرات في هذه المجالات نموذجًا محددًا، وتعمل على توفير منصات مؤتمتة لجمع المعطيات وتحليلها عن طريق المراقبة الإلكترونية، واستخدامها للتدخل في تغيير السلوك البشري.

ثورة السيطرة

وسمى الباحث ودارس علم الاجتماع جيمس بينجير في ثمانينيات القرن الماضي التغيرات الحاصلة في الفترة الأخيرة «ثورة السيطرة.» وبدأت هذه الثورة التقنية في القرن التاسع عشر بالإنتاج الضخم وتوزيع البضائع على مستوى العالم وتزايد فيها استخدام الأنظمة الإلكترونية لجمع المعلومات والاتصال.

وتسارعت الثورة التقنية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتقبل الحكومات والصناعات للسبرانيّة والدراسة العلمية للمراقبة والاتصال. وقبل الدخول في عصر كوفيد-19 كنا قد وصلنا «للمرحلة الانعكاسية» في ثورة السيطرة والمراقبة، وفيها تهدف تقنيات البيانات الضخمة والتقنيات التنبؤية إلى مراقبة السلوك البشري وأتمتة التعامل معه.

ويتوقع أن تكون المرحلة القادمة «مرحلة التحول إلى نموذج أوبر» وذلك باستبدال المؤسسات القائمة وعمليات الحكومة بالبرامج الحاسوبية، مثلما تمكنت شركة أوبر من أن تصبح بديلًا لنظام سيارات الأجرة التقليدي.

اقتصاد المعلومات

وكان لعمل كلاود شانون، رائد نظرية المعلومات أثر كبير على الاقتصاديين، والذين رأوا مقارباتٍ بين الدارات الكهربائية والأنظمة الاجتماعية. ومن أشهرهم العالم ليونيد هورفيتش الذي حاز جائزة نوبل 2007 بسبب عمله على «نظرية تصميم الآليات.»

وتابع الاقتصاديون المقاربات بين البشر والأنظمة الآلية منذ زمن طويل، للوصول إلى نماذج حسابية وتنبؤية متقاربة.

وساعدت المقاربات في تطوير نظريات اقتصادية جديدة نواتها أفكار فريدرش فون هايك، والذي يرى أن تخصيص الموارد في المجتمع يفهم بأحسن صيغة عند معالجته بنظرية البيانات.

ووصل هايك في نهاية الستينات إلى ثانوية الأفراد في إطار العملية الاقتصادية، وأنه يجب ترك قرار تخصيص الموارد إلى «السوق» ذاتها التي ينظر إليها هايك على أنها معالج معلومات فائق.

وطورت معالجة المعلومات الاقتصاد قُدمًا، ويرى مؤرخ الاقتصاد فيليب ميروفسكي أن الاقتصاديين انتقلوا من توفير ما يريده المستهلك إلى تطوير المنتجات بغض النظر عن رغبة المستهلك. ووصل الاعتقاد السابق إلى ذروته في نهاية العقد الماضي.

مجتمع السوق

ويمكن تمثيل التجربة بالإعلان الإلكتروني مثلًا، إذ تجمع المعطيات المتولدة عن زيارة كل مستخدم للصفحة، ثم تحلل وتُصنف، وتستخدم كل فئة في التصنيف لتوقع سلوك المستخدم في شراء منتج أو خدمة.

وخلال تحميل صفحة الويب يبدأ المزاد المؤتمت بمطابقة احتمالات سلوك المستخدم المختلفة والخدمات والمنتجات المحتمل أن يشتريها. والهدف هو دفع سلوك المستهلك للشراء. ويشرح دوجلاس وشكوف قدرة الإعلان الصحيح على رفع احتمال شراء الفرد للمنتج من 80% إلى 95%.

ويستخدم هذا النموذج لاستهداف المجتمع كاملًا. ويستخدم بذلك السلوك البشري لتوليد مزادٍ مؤتمت يهدف لتحسين تخصيص الموارد وتوفيرها.

وتحتاج السوق إلى دراسة ومعرفة السلوك البشري بشكلٍ أوسع لتفصيل الخيارات الأكثر ملائمة، ما يعني أن المراقبة التامة ستبقى وربما تزداد مع مرور الوقت.
وستقلل المراقبة المتزايدة والتداخلات الخوارزمية في السلوك البشري خياراتنا باستمرار. وستنخفض نسبة عدم الاختيار السابقة من 20% لنسب أقل، ما يعني قلة الإبداع وندرة الاكتشاف والتعلم، فبجعل تصرفاتنا أكثر توقعًا نصبح أكثر هشاشةً.

في مدح الغموض

دفعت الجائحة كثيرًا من البشر للاتصال بصورة أكبر عن طريق الشبكة، ما يعني إعطاء قوة أكبر للمراقبة وتأثير الخوارزميات، وإضافة مزيد من السلوك البشري إلى قواعد بيانات السوق.

وغالبًا ما يُتحدث عن المشكلات الناتجة عن المراقبة التامة باعتبارها مشكلات خصوصية، لكن يجب ذكر أهمية الغموض في حياتنا، إذ يدفع الغموض البشر للتساؤل والبحث بشكل مستمر.

ويشكل الغموض مساحةً حرةً للسلوك البشري غير المصنف وغير المراقب للاستمرار في الوجود. وقد يكون للاستخدام الإلكتروني المتزايد بعد الجائحة فوائد عدة، إن استطعنا التوفيق بين التقنيات سريعة الانتشار والمؤسسات المختلفة.
وربما يصل الأمر بالسوق المدفوعة بالخوارزميات لاعتبار الغموض خطرًا اقتصاديًا يهددها بشكلٍ مباشر. ولا يمكن لذلك الأمر أن ينتشر في ظل قواعد وسلطات مؤساساتية.

– المصدر: جائحة فيروس كورونا المُستجد تدفع شركات التقنية الكبرى للتغيير السريع على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.