الأخبار

أسطح خضراء أم مباني خضراء؟

خيارات أذونات البناء وفق التقرير السنوي لعام 2019: قانون المباني الخضراء في دنفر. حقوق الصورة: جامعة كولورادو، دنفر.

تخيّل نفسك تحلّق فوق مدينة دنفر Denver وتكتشف مجموعةً من ناطحات السحاب وسط المدينة مكتسيةً بمساحاتٍ شاسعةٍ من الأسطح الخضراء وتشاهدها من ارتفاعات مختلفة! طبعًا ستكون تلك المشاهد ساحرةً، وبالمعنى الحرفي والمجازي ستكون كالجنة.

في واقع الأمر، لقد أنجز سكان دنفر أكثر من التخيل، إذ صوتوا على هذه الفكرة لاعتمادها قانونيًا في يناير/كانون الثاني عام 2018، وذلك بعد اعتماد مبادرة الأسطح الخضراء، إذ تركزت المبادرة الأصلية على اشتراط تركيب الأسطح الخضراء في المباني التجارية الجديدة التي تزيد مساحتها عن 25 ألف قدم مربع (2323 متر مربع)، ويُعدّ ذلك دلالة قويةً على التزام الناخبين بممارسات البناء المستدامة، فبمجرد بناءها ستصبح المدينة الدليل الحي على قناعات أبنائها.

ومع ذلك، بعد حدوث المبادرة بدأت النقاشات حول إمكانية تنفيذها بجدية، ولكنها لم تكن تبدو ملائمةً، وبحلول نهاية عام 2018، أصبحت مبادرة الأسطح الخضراء قانون المباني الخضراء، وذلك بعدما أصدر الفريق المكلف بمتابعة المبادرة التوصيات اللازمة بشأنها؛ حيث التقت المجموعة التي تضمنت أشخاصًا من الأوساط الأكاديمية والصناعية والحكومية وصانعي وداعمي المبادرة الأصلية تسع مرات خلال النصف الأول من عام 2018، وفي النهاية خرجت بمقترحٍ وزِّعَ على الجمهور من أجل إشراكه في صياغته ما أسفر عن إقرار قانون المباني الخضراء في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018.

وقد أثارت عملية الانتقال هذه استياء بعض الناخبين، فقد وصفت وكالات إخبارية متعددة المبادرة الجديدة على أنها ليست سوى تقويض، إذ رأى البعض أن التحول من الأسطح الخضراء إلى الخيارات الخضراء فيه إجحافٌ لحقوق الناخبين، ولتقريب بعض وجهات النظر حول هذه المسألة، تحدث الأستاذ البروفيسور أوستن تروي Austin Troy، وهو رئيس قسم التخطيط الحضري والإقليمي في كلية الهندسة المعمارية والتخطيط بجامعة كولورادو دنفر، ومؤلف كتاب The Very Hungry City والمتخصص في “البنية التحتية الخضراء” الحضرية وغيرها من جوانب الاستدامة الحضرية، قائلًا: ” قانون المباني الخضراء معني بتقديم أفضل استراتيجية تخضير لكافة الناس لقد كان القانون الأصلي شائعًا تمامًا كما هو منصوص عليه، ولكن لم تُدرَس جيدًا آلية تطبيقه على مختلف أشكال التنمية في جميع أنحاء مدينة دنفر”.

وقدّمت مبادرة الأسطح الخضراء الأصلية للمطورين وشركات البناء والمهندسين والمعماريين ما وصفه تروي بأنه: “نهجٌ واحدٌ يناسب الجميع”. ومن جهةٍ أخرى، يتيح قانون المباني الخضراء الذي اعتُمِد حاليًا للناس خياراتٍ صناعيةً أكثر، وأضاف تروي: “منذ البداية وأنا من أشد مؤيدي فكرة جعل القانون أكثر مرونةً وديناميكيةً”.

إذًا، ما الخيارات الخضراء؟


يسمح قانون المباني الخضراء للمباني الجديدة التي تزيد مساحتها عن 25 ألف قدم مربع (2323 متر مربع) بالاختيار من بين سلسلةٍ من تسعة خيارات للطاقة الخضراء في تلك المناطق: الأسطح الخضراء/المساحات الخضراء والطاقة الشمسية/المتجددة وكفاءة الطاقة وشهادات المباني الخضراء (برامج الأطراف الخارجية) وتمويل صندوق المباني الخضراء وبرنامج الطاقة (لاستبدال الأسطح).

سطح أخضر في مركز مدينة دنفر. حقوق الصورة: جامعة Colorado Denver.

سطح أخضر في مركز مدينة دنفر. حقوق الصورة: جامعة Colorado Denver.

وقد أشارت بيانات المراجعة السنوية الأولى لقانون المباني الخضراء والتي نُشِرت في 28 أبريل/نيسان الماضي، إلى أن ما يقرب من 65 مشروعًا إنشائيًا قد امتثل لقانون البناء الجديد، وأن الخيارات الأكثر تحديدًا قد تضمنت كفاءةً أكبر في استخدام الطاقة.

لكن هذا لا يعني أن دنفر لا تتلقى مقترحاتٍ تشمل الأسطح الخضراء المطلوبة؛ قالت المتخصصة في قانون المباني الخضراء للتخطيط والتنمية في مجتمع دنفر كريستي كولنز Christy Collins: “نتابع وبكل حرص مقترحات العمل على الأسطح الخضراء”.

وأضافت: “بالتالي سيكون لها تأثيرٌ أكبر، وذلك بسبب انتقائية فرق التصميم فيما يتعلق بمكان تركيب تلك الأسطح”.

إضافةً إلى أنه غالبًا ما تكون الأسطح الخضراء المقترحة مصحوبةً بخياراتٍ أخرى تعزز كفاءة استخدام الطاقة. أوضح التقرير السنوي الأول فوائد تلك المباني الجديدة البالغ عددها 65 مبنًى: “حيث تستخدم تلك المشاريع مجتمعة طاقة أقل وتضيف المزيد من المساحات الخضراء وتساهم بشكلٍ أقل في تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية، علاوةً على الفوائد الصحية والبيئية الأخرى التي نتجت من اعتماد هذا القانون الهام”.

متابعة عمل الأسطح الخضراء


استندت المبادرة الأصلية إلى قانون خاص بمدينة تورنتو والتي تختلف اختلافًا كبيرًا في ظروف الطقس وقوانين البناء، وأضاف تروي قائلًا: “لا أعتقد أن العديد من المؤيدين الأساسين توقعوا نجاح الأمر”. يتفق كل من تروي وكولينز على أنه اقتضى بعد تمرير المبادرة تعديل القانون بصيغة تلائم مدينة دنفر، وأن معالجة فريق متابعة عمل الأسطح الخضراء ذاته يجب أن تكون على رأس الأولويات. تضمنت المجموعة عشرة أعضاء من شركاتٍ ومنظماتٍ متنوعةٍ وأوضحت لورا شوارتز Laura Swartz، مديرة الاتصالات لتخطيط وتنمية المجتمع في دنفر سير العملية: “كان التوازن عنصرًا أساسيًا في فريق العمل”. وتضمنت المجموعة المؤيدين الذين عملوا بجد لإدراج [مبادرة الأسطح الخضراء] هذه في الاقتراع وصوتوا عليها، كما تضمنت الأشخاص الذين عارضوا الاقتراع في البداية… لقد كانت عمليةً مثمرةً في توحيد تلك المجموعات”.

وتضمنت المجموعة أيضًا، أربعة أفراد تربطهم صلات بجامعة كولورادو، إلى جانب خريجتين اثنتين: أبيجيل كريستمان Abigail Christman، منسقة المسح في مركز CU Denver لحفظ البحوث CoPR، وجنيفر بوسيلوت Jennifer Bousselot العاملة بين المؤسسات CU Denver وcsu ومركز كولورادو الإقليمي للتميز المعماري.

إذونات قانون المباني الخضراء للمباني الجديدة والقائمة. "من التقرير السنوي لعام 2019 مرسوم المباني الخضراء في دنفر". حقوق الصورة: جامعة Colorado Denver

إذونات قانون المباني الخضراء للمباني الجديدة والقائمة. “من التقرير السنوي لعام 2019 مرسوم المباني الخضراء في دنفر”. حقوق الصورة: جامعة Colorado Denver

ارتفاع تكاليف البناء والصيانة


إذا كانت الأسطح الخضراء هي الحل المستحسن لإنشاء مساحات خضرية أوسع وملائمة أكثر للبيئة، فلمَ لا يجري اختياراها في مشاريع الإعمار الجديدة؟ السبب ارتفاع تكلفتها، فبحسب ما قاله تروي: “الأسطح الخضراء باهظة التكلفة بسبب الدعم الهيكلي اللازم لإمداد كل كميات التربة تلك. كلتا عمليتي الري والصرف مكلفتان جدًا على الأسطح”.

وأضافت كولينز: “إلى جانب وجود التصميم الهيكلي اللازم لدعم وزن السقف الأخضر، يحتاج المبنى الجديد الذي يدمج السقف الأخضر إلى ميزات تساعد في دعم القدرة على الاستمرارية، وفي مناخنا تتطلب الزراعة والتركيب بشكلٍ صحيح وجود مقاول سقف خضري مرخص لتثبيته”.

ويذكر أن المبادرة تركزت على مقاصد كبيرةٍ، لكنها تطلبت التعديل من أجل تحقيق أكبر تأثير؛ قال تروي: “إذا كان على الجميع بناء أسطح خضراء، فسيضطر المستثمرون إلى إنفاق المبالغ الطائلة على شيء لن يحقق فائدة كبيرة في أغلب الظروف”. من جهةٍ أخرى، يمكن أن تكون الزراعة على مستوى الأرض وإضافة الأشجار والنباتات حول المباني ودمج المواد الموفرة للطاقة أكثر فعاليةً من حيث التكلفة في تحقيق فوائد بيئية من الأسطح الخضراء لأنواعٍ معينة من مواقع البناء، وأكمل تروي قائلًا: “آخر شيء تود أن تفعله هو أن يتخلى المطورون عن استراتيجيات التخضير منخفضة التكلفة لأنه سيتعين عليهم بناء أسطح خضراء”.

التزام سكان دنفر بالاستدامة


قد يتحول تركيز السكان على التأثير الإيجابي الذي تلقته دنفر جراء تعديل القانون، بدلًا من التركيز على عدم تلقي المدينة دعم الأسطح الخضراء، إذ يُظهر الاستعراض السنوي الأول أن مشاريع البناء الجديدة والضخمة قد عالجت بالفعل تغير المناخ وحسّنت الصحة: كفاءة الطاقة والألواح الشمسية في المباني مفيدةٌ للأرباح النهائية، وقادرةٌ على تحمل التكاليف لأنها تقلل نفقات التشغيل وتحسن صافي الدخل التشغيلي (NOI) ويمكنها أن تساهم في جذب المستأجرين. إذ تقلل الأسطح الباردة والمساحات الخضراء من حرارة الجزيرة الحرارية الحضرية، وتعمل المساحات الخضراء داخل المباني وحولها على تحسين التجربة البشرية بالإضافة إلى جودة المياه وإدارة مياه الأمطار”.

وعلى حد تعبير تروي: “لقد أبلت دنفر بلاءً حسنًا باستلهام روح القانون”. وببساطة أوضحت كولينز: “يقصد أن المبادرة قابلةٌ تمامًا للتنفيذ”، وفي الواقع استفاد سكان المدينة التي تشهد حاليًا طفرةً عمرانيةً من قانون المباني الخضراء بعد انقضاء العام الأول من تنفيذه، إضافةً إلى العديد من المشاريع التي تدمج مجموعة من ممارسات الاستدامة، بما فيها الأسطح الخضراء.

لكن جائحة كوفيد-19 قد تسببت في تأخير بعض المشاريع الإنشائية؛ وعلى اعتبار العمران خدمةً حيويةً فقد تعين على الأطقم العاملة اعتماد لوائحَ جديدة للسلامة. قالت أماندا ويستون Amanda Weston، أخصائية التسويق والاتصالات في التخطيط والتنمية المجتمعية في دنفر: “أسوةً بجميع القطاعات الحيوية، توجب امتثال العاملين في مواقع البناء لإرشادات التباعد الاجتماعي والحفاظ على بيئة عمل نظيفة وآمنة”.

نأمل أن يؤدي الوباء إلى تعزيز التزام المدينة بالتصميم الصديق للبيئة، بالنظر إلى موافقة الناخبين على هذه المبادرة و حرص سكان دنفر على رؤية المزيد من الأسطح الخضراء، فإن المدينة تظهر التزامها بالاستدامة الحضرية. أضافت شوارتز: “يثبت قانون المباني الخضراء الاهتمام العظيم لدى مجتمعنا بالأداء العمراني”.

ناسا بالعربي

هي مبادرة علمية تطوّعية، موجّهة إلى الناطقين باللغة العربية، تأسست بتاريخ 1 يناير/كانون الثاني 2013، ثمّ اتّسع نطاقها بجهود مجموعة من المتطوعين الذين يجمعهم إيمان عميق بأهمية العلم والعمل التطوعي ودورهما في تمكين المجتمعات والنهوض بها وتطويرها.