إعادة التدوير

كيف تساعد إعادة تدوير المباني القديمة في بناء مدن مستدامة؟

تعيش جميع المدن في العالم عملية البناء والهدم باستمرار فتستبدل المباني القديمة ونظم البنى التحتية العتيقة لتستجيب لحاجات سكانها المستجدة، وربما لا مفر من ذلك في حالات كثيرة، لكن ألا توجد طريقة لإعادة تدوير بعض المباني والبنى التحتية كما نعيد تدوير الماء والنفايات مثلًا؟ ألا يخفض ذلك من تكاليف عمليات تحديث المدن ومدد تنفيذها؟

ماذا يعني إعادة الاستخدام المتكيف؟

يعني مصطلح إعادة الاستخدام المتكيف تجديد المباني القديمة والبنية التحتية وإعادة استخدامها، بعد أن تجاوزت عمرها الافتراضي؛ مثل تحويل المصانع المهجورة إلى متاحف أو فنادق أو تحويل الحاويات القديمة إلى منازل أو تحويل السكك الحديدية القديمة إلى حدائق، وأصبح هذا المفهوم ذو صلة متزايدة بمفهوم النمو الحضري المستدام.

التأثير البيئي الضار للبناء

يسهم قطاع البناء المزدهر في ظل موجة التحضر العالمي السريعة في زيادة التدهور البيئي كونها مصدرًا رئيسًا للتلوث الذي يؤدي إلى تغير المناخ، إذ نضطر إلى إنشاء مزيد من المباني والبنية التحتية لتلبية احتياجات السكان المتنامية، فتقل جودة الهواء نتيجة استخدام آلات مختلفة في مواقع البناء؛ مثل حفارات الديزل والمولدات المنتجة لانبعاثات مضرة مثل أكسيد النيتروجين والجسيمات الكبيرة والجسيمات الدقيقة.

وتنتج كميات هائلة من النفايات قد تصل إلى 2.2 مليار طن بحلول العام 2025. ويؤدي هدم المباني القديمة لإفساح المجال لمباني جديدة إلى كميات ضخمة من النفايات، ففي العام 2014 مثلًا، نتج عن أعمال الهدم في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 534 مليون طن من الحطام.

منافع إعادة الاستخدام المتكيف

تحظى إعادة الاستخدام المتكيف بتبنٍ متزايد بين المهندسين المعماريين والبنائين والمطورين في ضوء تنامي الوعي البيئي، فضلًا عن المنافع المحتملة من ناحية التكلفة، لعدم الحاجة إلى إنشاء البنية التحتية بدءًا من الصفر، مع توفير كميات هائلة من المواد وساعات البناء والطاقة.

ويقدر الخبراء أن 90 في المائة من شركات التطوير العقاري ستعمل خلال العقد المقبل في مجال إعادة الاستخدام المتكيف للمباني القائمة بدلًا من إنشاء مباني جديدة. وتقلل إعادة الاستخدام المتكيف تكلفة تطوير المباني الجديدة والبنية التحتية.

فعند حساب تكاليف ترخيص البناء والعمال مواد البناء، فإن تكلفة إعادة استخدام المباني أقل بنسبة 15 إلى 20 في المئة وأسرع من الهدم وإنشاء مباني جديدة.ولعل ما يزيد من جاذبية الفكرة، الحفاظ على التاريخ والثقافة والعمارة، وإسهامها في تنمية اقتصاد دائري في البلدان، ويُضاف إلى كل ذلك أن للمباني المعاد استخدامها سحر خاص يصعب دمجه في التصميم المعاصر.

أمثلة واعدة

يوجد عدد كبير من الأمثلة المرموقة في جميع أنحاء العالم على إعادة الاستخدام المتكيف؛ ومن أبرزها إعادة استخدام محطة الطاقة الشهيرة باتيرسيا في لندن في مشروع متعدد الاستخدامات يضم شققًا ومكاتب ومرافق ترفيهية، وتحويل محطة أخرى لتوليد الطاقة في لندن في منطقة بانكسايد، إلى متحف تيت للفن، وتحويل خط سكة حديد مرتفع مهجور في مانهاتن إلى حديقة معلقة، تجذب ملايين الأشخاص كل عام؛ وتحويل الملعب الأولمبي في بكين في العام 2008 إلى مركز تسوق.

إعادة الاستخدام المتكيف في الإمارات

بداية، قد لا تبدو إعادة الاستخدام المتكيف شيئًا حاضرًا بقوة في دولة الإمارات (وباقي دول مجلس التعاون الخليجي)، في ضوء الحداثة النسبية للدولة ومدنها وبنيتها التحتية. ومع ذلك، فإن دولة الإمارات جعلت الاقتصاد الدائري والاستدامة إحدى أولياتها المستقبلية، وهو ما تندرج تحته إعادة الاستخدام المتكيف.

وتأسس في الإمارات مجلس الإمارات للاقتصاد الدائري، الذي يعنى برسم التوجهات والأطر العامة لتعزيز مبادرة «تسريع الاقتصاد الدائري 360» التي وقعت عليها الإمارات كأول دولة عالميًا بالشراكة الاستراتيجية مع المنتدى الاقتصادي العالمي، وذلك بهدف تسخير إمكانات الابتكار التقني لتسريع الاقتصاد الدائري، وسبق ذلك عدد من التجارب الإماراتية الناجحة في مجال إعادة الاستخدام المتكيف.

ومنها تطوير (1) ساحة المريجة الفنية في الشارقة، وهي موقع معرض الشارقة الفني السنوي (بينالي الشارقة) الذي أنشئ من خمسة مبان متهدمة، تشمل المدرسة القاسمية وسوق الجبيل القديم للخضروات. (2) وتحويل منطقة القوز الصناعية في دبي إلى شارع السركال، وهو مركز فني وثقافي مزدهر، (3) وتحويل الوحدات السكنية في البستكية المشهورة بأبراج الرياح في دبي إلى مركز فني وثقافي مشابه.

والواقع أن كثيرًا من المباني والمواقع القديمة التي انتهى عمرها في جميع أنحاء البلاد قد تتحول إلى مشاريع مستقبلية لإعادة الاستخدام المتكيف؛ من بينها الجزيرة الحمراء وهي مدينة كانت في السابق موطنًا لمجتمع صيد الأسماك في أوائل القرن التاسع عشر، والمبنى رقم 33 في بوابة الخيل، وقصر القاسمي.

ومن المفارقات أن الأحاديث الشعبية تتداول حكايات عن أن تلك المناطق الثلاث مسكونة بالأشباح، وربما يجعلها ذلك مرشحة أكثر لاجتذاب الزوار أو حتى كبيئة واستديوهات لتصوير الأفلام! ونذكر في هذا السياق أيضًا أن بلدية أبوظبي أعلنت في العام الماضي وحده عن نيتها هدم أكثر من 70 مبنى قديم في المدينة، ويتكرر هذا سنويًا، وقد يكون من المفيد دراسة إعادة استخدام بعضها.

اتجاهات إعادة الاستخدام المتكيف

الحفاظ على المواقع التاريخية من خلال إعادة الاستخدام المتكيف للأغراض الثقافية والسياحية ربما يكون الخيار السائد في الوقت الحاضر، ولكن ماذا عن المباني الحديثة التي فقدت وظيفتها؟ هل يمكن إعادة استخدامها بشكل متكيف، ولأي غرض؟

وقد لا ينسجم ذلك مع التعريف التقليدي لإعادة الاستخدام المتكيف، فالمباني ليست تاريخية، إلا أن أبنية وهياكل مادية مختلفة يعاد استخدامها لإطالة عمرها.

ومع أخذ هذا الأمر في الحسبان، نلخص بعض اتجاهات إعادة الاستخدام المتكيف الحديثة.

الملاعب الرياضية المُعاد استخدامها

الفوز باستضافة حدث رياضي كبير، في معظم الحالات، يمثل إنجازًا مرموقًا لأي مدينة، لكن بناء مرافق رياضية عالمية المستوى في كثير من الأحيان مشروع مكلف جدًا، وفي العقود الأخيرة، واجهت تلك المشاريع انتقادات من الناس لأنها تصبح مبان تزيد عن حاجة المجتمع فعلًا (فكّر في مباني الألعاب الأولمبية مثلًا).

ومن خلال تطبيق مفهوم إعادة الاستخدام المتكيف على عملية البناء الأساسية، صمم المهندسون المعماريون في ريو في البرازيل المرافق الرياضية لدورة الألعاب الأولمبية للمدينة لاعام 2016 لإعادة استخدامها في الهياكل الجديدة في جميع أنحاء المدينة، و صُممت حلبة المستقبل، موقع مسابقة كرة اليد، لتفكك ويعاد تجميعها كمدارس في جميع أنحاء المدينة.

وفي حال إقامة أي أحداث رياضية مستقبلية ستقام في المنطقة، سوف تكون إعادة الاستخدام التكيفي أحد الاعتبارات المركزية في عمليات البناء المستقبلية.

إعادة استخدام مراكز التسوق

تسعى دولة الإمارات للتحول إلى مركز إقليمي رائد للتجارة الإلكترونية، ويزداد اقبال الناس على التسوق عبر الإنترنت، فما هو مستقبل مراكز التسوق في البلاد؟

أحد الأساليب المبتكرة التي تتبعها مراكز التسوق في جميع أنحاء الولايات المتحدة لمواجهة التحدي، هو جعل أمازون تستخدم المساحة كمراكز خدمات، إن مساعدة أمازون على تحسين أوقات التسليم من خلال الاستفادة من مساحات أماكن البيع بالتجزئة المتوقفة عن العمل، هو شكل مبتكر لإعادة الاستخدام يساعد في حل التحديات الراهنة، وتشمل الخيارات الأخرى استخدام المساحات للمتاجر المؤقتة، أو حتى المكتبات والمراكز الطبية والمنازل.

تغيير الغرض من مباني المكاتب

في ظل جائحة كوفيد-19، انتشر العمل من المنزل في جميع أنحاء العالم، لدرجة أن شركات عالمية رائدة قد تبنتها الآن كسياسة دائمة؛ ومنها جوجل وفيسبوك وتويتر، ومع التزايد المتوقع في هذا الاتجاه، يطرح السؤال التالي نفسه؛ ما مستقبل المساحات المكتبية؟

نظرًا لأن مباني المكاتب مهددة باحتمال أن تصبح غير صالحة للعمل، فهل هناك فرصة هنا لإعادة توظيفها في مرافق متعددة الاستخدامات أو مشاريع سكنية أو مرافق ترفيهية؟

مع نقص المساكن ذات الأسعار المعقولة في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، قد يكون تحويل المرافق المكتبية إلى منازل لسد هذه الفجوة في السوق أحد الحلول المطروحة.

أفكار ختامية

بصرف النظر عن الموارد، فإن إعادة الاستخدام المتكيف لا حدود لها، وما ذكرناه هو مجرد أمثلة قليلة، وتشمل البنى التحتية الأخرى القابلة لإعادة الاستخدام، المصانع ومحطات الطاقة وغير ذلك، في وقت تسعى فيه دولة الإمارات إلى ترسيخ مكانتها في مجال المدن المستدامة، ستحتاج إلى التفكير في كيفية إدارة قطاع البناء، وهو واحد من أكثر القطاعات استهلاكًا للموارد في العالم، ومصدر مهم لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وعلى الرغم من أنها دولة حديثة العهد نسبيًا، إلا أن لديها بنية تحتية كبيرة في جميع أنحاء البلاد قد تكون لها استخدامات أفضل وأكثر كفاءة، وربما حان الوقت لأن تعمل دولة الإمارات وغيرها من دول المنطقة على تقييم مبانيها القديمة وتفكر بكيفية إعادة توظيفها قبل أن تفكر في هدمها.

– المصدر: كيف تساعد إعادة تدوير المباني القديمة في بناء مدن مستدامة؟ على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.