الأخبار

ما هو نسيج الزمكان؟

حقوق الصورة: Chris Gash

يعتقد الفيزيائيون أن الفضاء ينشأ من الكمّات في أصغر مستوياته، فكيف تبدو وحدات البناء تلك؟

لطالما أخذ الناس الفضاء كأمر مفروغ منه، فهو وبعد كل شيء مجرد فراغ، هو الستارة الخلفية لكل شيء آخر. وبالمثل، الزمن هو ببساطة مجرد علامة على الاستمرار. ولكن إذا تعلّم الفيزيائيون أي شيء من الجهد المستمر من أجل توحيد نظرياتهم، فإنّ المكان والوقت يشكلان نظاماً مركباً مذهل ربما قد يتحدّى جهودنا الحثيثة للفهم.

تنبّأ ألبرت إينشتاين بالمستقبل في وقتٍ مبكر في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1916. وكان قبل عام قد صاغ نظريته العامة للنسبية والتي افترضت أنّ الجاذبية ليست قوّة تنتشر عبر الفضاء، إنما هي خاصيّة من خصائص نسيج الزمكان نفسه. فعندما تُلقي كرة عالياً في الهواء، فإنها ستعود بشكل قوس منحني إلى الأرض لأن الأرض تشوّه نسيج الزمكان حولها لذلك تعود لتتقاطع مسارات الكرة والأرض مرة أخرى. وفي رسالته إلى صديق، فكّر إينشتاين بتحدي دمج النسبية العامة مع أفكاره الأخرى، النظرية الناشئة حول ميكانيكا الكم. وهذا لن يشوّه الفضاء فحسب بل وسيفككه أيضاً. أما رياضياً، فكان بالكاد يعرف من أين يبدأ كاتباً: “كم عذَّبت نفسي بذلك“.

لم يبتعد إينشتاين كثيراً، وحتى اليوم هناك الكثير من الأفكار المتضاربة حول النظرية الكمية للجاذبية حيث يعمل العلماء على هذا الموضوع. كما أخفت الجدالات حقيقةً مهمةً، ألا وهي حقيقة أنّ جميع الأفكار المتنافسة تقول بأنّ المكان قد جاء من شيء ما أعمق – وهي فكرة تحطّم الفهم الفلسفي والعلمي الذي وُجد على مدار 2500 سنة.

أسفل الثقب الأسود


باستطاعة مغناطيس مطبخ أن يوضح بدقة المشكلة التي واجهها الفيزيائيون، حيث يمكن للمغناطيس الصغير أن يحمل لقاطة الورق متحدياً جاذبية الأرض بأكملها، فالجاذبية أضعف من القوى المغناطيسية أو القوى الكهربائية أو النووية ومهما كانت التأثيرات الكمومية فإنها لا تزال أضعف. إنّ الدليل الوحيد الملموس على حدوث هذه العمليات هو النمط المنقّط للمادة في الكون المبكر الذي يُعتقد بأنه ناجم جزئياً عن التغيرات الكمومية في حقل الجاذبية.

الثقوب السوداء هي الحالة الأفضل لاختبار الجاذبية الكمومية، يقول تيد جاكوبسون Ted Jacobson من جامعة ماريلاند University of Maryland بكوليج بارك: “تعتبر الثقوب الأسود أقرب ما نملكه للتجارب”. ويدرس هو وغيره من الفيزيائيين النظريين الثقوب السوداء كنقاط مرجعية نظرية. وهنا نقول يجدر بنا السؤال عما سيحدث عندما تأخذ المعادلات التي تعمل بشكل جيد إلى ظروف المختبر وتحاول ملاحظتها تحت أقصى حالة متطرفة يمكن تصوّرها؟ هل سيظهر أي خلل بالغ الدقة؟

تتنبأ النسبية العامة بأنّ المادة التي تسقط في الثقب الأسود تُضغط بشكل لا نهائي كلما اقتربت من المركز- وهو نفق منتهي “رياضياً” بمنطقة تسمى المتفرّد singularity ولا يستطيع الفيزيائيون النظريون معرفة مسار أي شيء خلف المتفرّد حيث ينتهي الزمن هناك. وحتى لفظ “هناك” مشكلة بذاته لأن نسيج الزمكان الذي يحدّد موقع المتفرّد لم يعد له وجود أصلاً. ويأمل الباحثون أن تركّز النظرية الكمومية عيونها المجهرية على تلك النقطة وتراقب ماذا يحدث للمواد التي تسقط فيها.

خارج حدود الثقب الأسود لا تُضغَط المادة بشكل كبير وتكون الجاذبية أضعف، وبجميع الحالات يتوجب على قوانين الفيزياء المعروفة أن تبقى قائمة، وبالتالي من المربِك جداً أنهم ليسوا كذلك. يتحدّد الثقب الأسود من خلال أُفق الحدث event horizon، وهو نقطة اللاعودة: المادة التي تسقط فيه لا يمكنها العودة إطلاقاً، فهو منحدر لا رجعة منه. وهنا تكمن المشكلة، فيمكن قلب جميع قوانين الفيزياء الأساسية المعروفة، بما في ذلك قوانين ميكانيكا الكم المفهومة بشكلٍ عام، فيه. من الجانب النظري على الأقل، ينبغي أن تكون قادراً على عكس حركة جميع الجسيمات واستعادة ما كنت تملكه.

وقد واجه لغز مشابه الفيزيائيين في نهايات القرن الثامن عشر. عندما اعتقدوا بأنّ رياضيات “الجسم الأسود” مثالية كحفرة مليئة بالإشعاع الكهرومغناطيسي. تنبّأت النظرية المغناطيسية لماكسويل James Clerk Maxwell أنّ المادة تمتص كل الإشعاع الذي يصطدم بها ولا يمكن مُطلقاً للمادة أن تتوازن مع المادة المحيطة بها. يوضح رافايل سوركين Rafael Sorkin من معهد بيرميتر للفيزياء النظرية Perimeter Institute for Theoretical Physics في اونتاريو: “سيمتصّ الجسم الأسود كمية لا محدودة من الحرارة من خزان ثابت عند درجة حرارة ثابتة”. ستكون حرارة الصفر المطلق مؤثرة من الناحية الحرارية بالتأكيد، وقد تعارض هذا الاستنتاج مع مراقبات الأجسام السوداء الواقعية (مثل الفرن) وباستكمال عمل ماكس بلانك بيّن إينشتاين أنه يمكن للجسم الأسود الوصول إلى حالة التوازن الحراري إذا كانت الطاقة الإشعاعية تأتي من وحدات منفصلة أو الكمّات (الكوانتا) quanta.

يحاول الفيزيائيون النظريون منذ حوالي نصف قرن للوصول إلى حل يصف الثقوب السوداء. وقد قام الراحل ستيفن هوكينغ Stephen Hawking من جامعة كامبريدج University of Cambridge بخطوةٍ كبيرةٍ في منتصف السبيعينات عندما طبّق النظرية الكمومية على حقل الإشعاع حول الثقوب السوداء وأعلن أن لهم درجة حرارة لاصفرية. وبذلك، فإنها لا تستطيع فقط امتصاص الطاقة وإنما أيضاً إصدارها. وعلى الرغم أنّ تحليله هذا قد جلب الثقوب السوداء إلى قلب الديناميكا الحرارية إلا أنّه عمّق مشكلة اللاعودة حيث ينبعث الإشعاع من خارج حدود الثقب مباشرةً ولا يحمل أيّة معلومات عن داخله إنما هو طاقة حرارية عشوائية، وإذا قلبتَ العملية وأعدتَ تغذيته بالطاقة مجدداً فلن تظهر الأشياء التي سقطت أبداً لأنك ستحصل فقط على المزيد من الحرارة. ولا تستطيع التأكّد إذا ماكانت المواد الأصلية موجودة بالفعل، فهي ببساطة قد حُوصِرت بداخل الثقب لأنه كلما أصدر الثقب الأسود إشعاعاً تقلّص، ووفقاً لتحليل هوكينغ فهو يختفي أخيراً.

تدعى هذه المشكلة باسم مفارقة المعلومات information paradox، فالثقب الأسود يدمّر معلومات الجسيمات التي سقطت فيه والتي تتيح لك ترجيع حركتها. وإذا كانت فيزياء الثقب الأسود قابلة للانعكاس، فيجب أن يقوم شيء ما بإعادة إخراج المعلومات منه، ولربما يحتاج مفهومنا لنسيج الزمكان أن يتغير من أجل القدرة على القيام بذلك.

ذرات الزمكان


الحرارة هي الحركة العشوائية للأجزاء الميكروسكوبية (المجهرية) مثل جزيئات الغاز. ولأن الثقوب السوداء قادرة على التسخين والتبريد، فمن المنطقي أن تحتوي على أجزاء – أو بشكل أعمّ، بُنى مجهرية. ونظراً لأنّ الثقوب السوداء هي مجرّد مكان فارغ (وفقاً للنسبية العامة، فإن المادة التي تسقط تمرّ عبر الأفق ولكن لا يمكنها البقاء)، فينبغي أن تكون أجزاء الثقب الأسود هي أجزاء من المكان نفسه. وبالرغم من أنها ربما قد تبدو ببساطة كَمكان فارغ واسع، فإن لها تعقيد هائل مخفيّ.

وحتى الفيزيائيين الذين خططوا للحفاظ على المفهوم التقليدي لنسيج الزمكان، قد انتهى بهم المطاف باستنتاج أنّ هناك شيء ما خلف هذه الواجهة الرتيبة للزمكان. على سبيل المثال، سعى ستيفن وينبيرغ Steven Weinberg (في جامعة تكساس University of Texas بأوستن حالياً) لوصف الجاذبية بنفس الطريقة التي وصفت بها القوى الأخرى في الطبيعة ولكنه لا يزال يتوصل إلى أن نسيج الزمكان يتغير جذرياً على مقاييسه الدقيقة.

تصوّر الفيزيائيون في البداية بأن الفضاء الميكروسكوبي مثل الفسيفساء لقطع صغيرة من الفضاء. إذا قمت بالتكبير إلى مقياس بلانك Planck، وهو حجم صغير بشكل لا يمكن تصوّره حيث يبلغ تقريباً 10^(-35) متر، اعتُقد برؤية شيء مثل رقعة الشطرنج. ولكن لا يمكن لذلك أن يكون صحيح تماماً. وذلك لسببٍ واحد، وهو أن الخطوط المتقاطعة في رقعة الشطرنج ستميّز بعض الاتجاهات عن الأخرى مكوّنة الاختلافات التي تتعارض مع النظرية النسبية الخاصة. على سبيل المثال، يسير ضوء الألوان المختلفة بسرعاتٍ مختلفة – كما في الموشور الزجاجي الذي يكسر شعاع الضوء إلى الألوان المكونة له. بينما يصعب عادة رؤية التأثيرات على المقاييس الصغيرة في حين تبدو تذبذبات النسبية واضحة إلى حدٍ ما.

تثير الديناميكا الحرارية مزيداً من الشكّ على اعتبار أنّ الفضاء هو فسيفساء بسيطة. وبقياس السلوك الحراري لأي نظام يمكنك احتساب أجزاء هذا النظام، على الأقل نظرياً. يحدث تفريغ للطاقة ثم تقوم بمراقبة مقياس الحرارة، إذا أُطلقت تلك الطاقة يجب عليها أن تُوزّع على عدد قليل نسبياً من الجزيئات. إنك في الواقع تقوم بقياس الانتروبية (حالة الفوضى) لذلك النظام وهو أصل التعقيد على المستوى الميكروسكوبي للنظام.

إذا أجريت هذه التجربة على المادة العادية، فسيزداد عدد الجزيئات مع زيادة حجم المادة. وهذا ما يجب أن يحدث: فإذا قمت بتكبير نصف قطر كرة الشاطى بعامل تكبير 10، سيكون عدد الجزيئات بداخلها 1000 ضعف، لكن إن قمت بتكبير نصف قطر الثقب الأسود بعامل تكبير يساوي 10، سيزداد عدد الجزيئات الناتج بعامل 100 فقط. في حين سنجد أن عدد الجزيئات التي تكونت منها الثقوب السوداء متناسبة مع مساحة السطح وليس مع الحجم. ربما تبدو الثقوب السوداء بثلاثة أبعاد، إلا أنها تتصرّف وكأنها لو كانت ببعدين فقط.

ينضوي هذا التأثير العجيب تحت اسم مبدأ التصوير المجسم holographic principle لأنه يذكرنا بالهولوغرام الذي يقدم نفسه لنا كهيكل ثلاثي الأبعاد. وبفحصٍ أدق، يتبين أن الصورة تُنتَج عن طريق ورقة فيلم ثنائية الأبعاد، فإذا كان مبدأ التصوير المجسّم يحسب المكونات الميكروسكوبية للفضاء ومحتوياته – كما يقبل الفيزيائيون على نطاق واسع – فيجب أن يُبنى الفضاء بشكل كُلّي عوضاً عن تجميع أجزاء صغيرة مع بعضها لتكوينه.

نادراً ما تكون العلاقة بين الجزء ووحدته بأكملها واضحة للغاية. بجميع الأحوال، إجزيء الماء H20 لا يقتصر على كَونه جزء صغير من الماء. بالنظر إلى ما يفعله الماء السائل فهو يتدفّق، ويشكّل القطرات، ويحمل التموجات والأمواج كما يتجمد ويغلي. وجزيء H20 مفرد لا يفعل أيّاً من ذلك، فهذه تُعدّ سلوكيات جماعية. وبالمثل، بناء أجزاء الفضاء لا تحتاج إلى حيّز. يقول دانييل أوريتي Daniele Oriti من معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية Max Planck Institute for Gravitational Physics في بوتسدام بألمانيا: “إنّ ذرات الفضاء ليست أصغر أجزائه، إنما هي العناصر الأساسية لتكوين الفضاء. والخصائص الهندسية للفضاء جديدة وجماعية كما أنها خصائص تقريبية لنظام مصنوع من الذرات“.

ماذا تكون بالضبط تلك البُنى الأساسية اعتماداً على النظرية؟ في حلقة جاذبية الكم، هي كمّات حجم مجمعة من خلال تطبيق مبادئ الكم. في نظرية الأوتار، هي حقول مشابهة لتلك الحقول الكهرومغناطيسية التي تعيش على السطح وتترك أثرا لحبل متحرك أو حلقة من الطاقة حاملةً نفس اسم الاوتار. في نظرية- إم M-theory، والتي تتعلّق بنظرية الأوتار وربما تصنّف تحتها، هي نوع خاص من الجسيمات، غشاء منكمش إلى حدٍ ما. أما في نظرية المجموعات Casual Set Theory، هي أحداث مرتبطة بشبكة من الأسباب والتأثيرات. وفي نظرية بنية الكون الهندسية The Amplituhedron Theory وبعض النظريات الأخرى، ليس هناك أية بُنى على الإطلاق – على الأقل لا وجود لها بأي معنى تقليدي.

وعلى الرغم من اختلاف المبادئ المنظِمة لهذه النظريات إلا أنها سعت جميعها إلى التمسّك بنسخةٍ مما يسمى العلائقية في القرن السابع عشر والثامن عشر للفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنز Gottfried Leibniz. وعلى العموم، تتمسّك العلائقية relationalism بمبدأ أن الفضاء ينشأ من نمط معين من الارتباطات بين الأشياء، وبهذا الرأي، فالفضاء يشبه لغز جاكسو jigsaw، عليك البدأ بكومة كبيرة من القطع، ثم رؤية كيف تتصل مع بعضها البعض، وأخيراً وضعها في أماكنها وفق هذا الاتصال. إذا كان لقطعتين ما خصائص متشابهة مثل اللون، فمن المحتمل أن تكونا قريبتان، وإذا اختلفت خصائصهما بشدة، فسوف تضعها متباعدة مبدئياً. يعبّر الفيزيائيون عادةً عن هذه العلاقات كشبكة ذات نمط محدد من الاتصال. اكُتشفت هذه العلاقات عن طريق النظرية الكمومية أو مبادئ أخرى، ثم تبع ذلك الترتيب المكاني.

وتُعد التحوّلات الطورية سِمة شائعة أخرى، فإذا كان الفضاء مُجمّع، فربما يكون مُفكك أيضاً وبذلك فإن البُنى التي تكوّنه قد تُبنى لشيءٍ ما لا يشبه الفضاء أبداً. يقول ثانو بادمانابهام Thanu Padmanabhan من مركز جامعة انتر لعلم الفلك والفيزياء الفلكية Inter-University Center for Astronomy and Astrophysics في الهند: “مثلما لديك أطوار مختلفة للمادة، كالجليد والماء وبخار الماء، يمكن لذرات الفضاء إعادة تكوين نفسها بأطوار مختلفة”. وحسب هذه الرؤية فربما تتخذ الثقوب السوداء مواقع يتلاشى فيها المكان وتنهار النظريات المعروفة، ولكن ستصف نظرية أكثر عمومية ماذا يحدث في الطور الجديد. حتى عندما يصل الفضاء إلى نهايته، ستستمرّ الفيزياء.

نسيج معقّد


زاد الوعي في السنوات الاخيرة – والذي مرّ عبر الحدود الصارمة القديمة – بأنّ الارتباطات ذات الصلة تنطوي على التشابك الكمومي. يبيّن نوع ذو قدرة هائلة على الارتباط، ومن جوهر ميكانيكا الكم، التشابك ببدائية أكثر من المكان. على سبيل المثال، ربما يخلق اخصائي تجريبي جسيمين ينطلقان باتجاهين متعاكسين، إذا كانا مترابطين، فسيظلان متناسقين مهما كانا بعيدان عن بعضهما.

عادةً عندما يتحدث الناس عن الجاذبية الكمومية فإنهم يشيرون إلى التشابك الكمي والتغير الكمي و أكثر التأثيرات الكمية الأخرى في الكتب، ولكنهم لا يتحدثون عن الترابط الكمي، وقد تغير ذلك عندما حلّت الثقوب السوداء هذا الموضوع. فعبر دورة حياة الثقب الاسود، تسقط الجسيمات المتشابكة فيه، ولكن بعد تبخّر الثقب الاسود بالكامل، فإن شركائهم في الخارج تبقى مترابطة مع لاشيء. يقول سمير ماثر Samir Mathur من جامعة ولاية أوهايو Ohio State University: “كان ينبغي على هوكينغ تسميتها مشكلة الترابط entanglement problem“.

وحتى في الفراغ، حيث لا يوجد أية جسيمات هناك، فالحقل الكهرومغناطيسي والحقول الأخرى مترابطة داخلياً وإذا قمت بقياس شدة حقل ما في بقعتين مختلفتين، فسوف تهتز قراءاتك بطريقةٍ عشوائيةِ ولكنها ستظل متناسقة مع بعضها، وإذا جزّأت منطقةٍ ما إلى قسمين، فستكون الأجزاء مترابطة بدرجة ترابط تعتمد فقط على الكمية الهندسية التي يشتركان بها: وهي المنطقة من السطح لكلِ من القسمين. وفي عام 1995 أفاد جاكوبسون بأن التشابك يؤمّن صلة وصل مابين وجود المادة وهندسة النسيج الزمكاني – ويؤدي هذا القول لاستنتاج أنه لربما يفسّر ذلك قانون الجاذبية أيضاً. ويقول: “تشابك أكثر يؤدي لجاذبية أضعف الأمر الذي يعني نسيج زمكاني أكثر صلابة“.

وبعد عدة تفسيرات للجاذبية الكمية، أهمهم نظرية الأوتار، نرى الآن التشابك على أنه بالغ الأهمية. تُطبِّق نظرية الأوتار مبدأ التصوير المجسم ليس على الثقوب السوداء فحسب بل أيضاً على الكون كله مؤمّنةً طريقة لوصف نشوء المكان، أو على الأقل بعضاً منه، في فضاء ثنائي الأبعاد حيث يمكنه أن يكون مترابط بواسطة الحقول تصنع بُعداً ثالثاً من المكان. وسيكون الفضاء ثنائي الأبعاد الأصلي كحدود للكون الأكبر، والمعروف بالمكان ككلّ the bulk space. والتشابك هو الذي ينسج المكان ككل إلى كيان متاخم له.

قدم مارك فان رامسدونك Mark Van Raamsdonk من جامعة كولومبيا البريطانية University of British Columbia تفسير أنيق لهذه العملية عام 2009. لنفرض أن الحقول عند الحدود ليست متشابكة حيث تشكل زوجاً من الأنظمة غير المترابطة، وأنها تطابق من كونين منفصلين مع استحالة وجود طريقة للسفر بينهما. عندما تصبح الانظمة متشابكة، يبدو وكأن هناك نفقاً أو ثقباً مفتوحاً بين هذين الكونين ويمكن لسفينة فضائية الانتقال من كون إلى آخر. وكلما ازدادت درجة التشابك، تقلّص طول الثقب بينهما ليبدو الكونين مجمّعان مع بعضهما لدرجة أنك لن تتحدث عنهما ككونين بعد الآن. ويقول فان رامسدونك: “يرتبط ظهور نسيج زمكاني كبير مباشرةً بتشابك درجات استقلالية حقولها.” عندما نلاحظ الارتباطات في الحقل الكهرومغناطيسي والحقول الاخرى هي بقايا التشابك الذي يربط المكان مع بعضه.

وقد تعكس العديد من الميزات الأخرى للمكان، بجانب كونه متشابكاً، التشابك أيضاً. يجادل فان رامسدونك و بريان سوينجل Brian Swingle في جامعة ماريلاند بكوليج بارك، بأنّ وجود التشابك قد يفسر الجاذبية الكونية التي تؤثر على جميع المواد ولا يمكن اختبارها. وبالنسبة للثقوب السوداء، يقترح ليونارد سوسكيند Leonard Susskind من جامعة ستانفورد Stanford University وخوان مالداسينا Juan Maldacena من معهد الدراسات المتقدمة Institute of Advanced Study في برينستون بولاية نيوجيرسي، أنّ التشابك بين ثقب أسود والإشعاعات الصادرة عنه يولّد ثغرة أو مدخلاً خلفياً إلى الثقب. وربما يساعد ذلك في الحفاظ على المعلومات والتأكد من قابليةفيزياء الثقب الاسود للعكس.

وفي حين تعمل أفكار نظرية الأوتار هذه مع هندسات معينة ولا تُعيد بناء سوى بُعد واحد من المكان، سعى بعض الباحثين لتفسير كيف للمكان بأكمله الظهور من العدم. بدأ كل من كاو JhunJun Cao وسبايردون ميخالاكس Spyridon Michalaks وسين كارول Sean M.Carroll من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا California Institute of Technology، بوصف الحدّ الادنى الكمي للنظام والذي صيغ بدون أي إشارة مباشرة إلى الزمكان أو حتى إلى المادة. إذا كان لهذا النظام الطريقة الصحيحة من الارتباطات، فيمكنه أن ينقسم إلى أجزائه المكونة له والتي يمكن وصفها بأنها مناطق مختلفة من نسيج الزمكان. إذاً في هذا النموذج، تُحدّد دُرة التشابك مفهوم المسافة المكانية.

في الفيزياء، وفي العلوم الطبيعية بشكل عام، يعد المكان والزمكان أساسا جميع النظريات. وحتى الآن لم نرى نسيج الزمكان بشكلٍ مباشر. ولكن عوضاً عن ذلك نستنتج وجوده من تجربتنا اليومية. نفترض أنّ الحساب الأكثر اقتصاداً للظواهر التي نراها هو بعض الآلات التي تعمل ضمن نسيج الزمكان (التي تعمل في الفضاء). لكنَّ خلاصة الدرس في الجاذبية الكمية هو عدم تناسب جميع الظواهر ضمن نسيج الزمكان بدقة. سيحتاج الفيزيائيون بالتالي إلى إيجاد بنية أساسية جديدة، وعندما يفعلون ذلك، سيكملون الثورة التي بدأت منذ أكثر من قرنٍ مع اينشتاين.