المريخ

النتائج الأولية لمركبة «إنسايت» تظهر نشاطًا زلزاليًا على كوكب المريخ

قد يكون المريخ كوكبًا باردًا وجافًا، لكنه ليس ميتًا، إذ كشفت وكالة ناسا عن أول نتائج علمية رسمية لمركبة الإنزال المريخية إنسايت، ويظهر فيها المريخ عالمًا يهتز باستمرار. فخلال مؤتمر صحافي يوم الخميس 20 فبراير/شباط، قال بروس بانردت الباحث الرئيس في مشروع إنسايت «أثبتنا أخيرًا أن المريخ كوكب نشط زلزاليًا.»

وأضاف العالم أن زلزالية المريخ تقع بين زلزالية القمر والأرض، وقال «وهي أقرب إلى ذلك النمط من الأنشطة الزلزالية التي تتوقع حصولها عند حدود صفائح الأرض التكتونية وبعيدًا عن المناطق عالية التشوه.»

سبر أعماق المريخ

هبطت مركبة إنسايت بالقرب من خط الاستواء المريخي في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 لتكون انطلاقة إلى بعثة فضائية لسبر أغوار الكوكب الأحمر، وتبلغ تكلفتها 850 مليون دولار ومن المتوقع أن تستمر عامين. لتحقيق هذا الهدف، جهزت المركبة بأداتين علميتين رئيستين: عدة أجهزة قياس الزلازل فائقة الحساسية ومجس تنقيب حراري لقب «بالخلد» وهو مصمم للحفر تحت سطح المريخ حتى عمق 3 أمتار.

وصرحت جهات رسمية من ناسا أن الوكالة تعتزم رسم خرائط ثلاثية الأبعاد لباطن المريخ بالاستعانة بتحليلات الزلازل وقياسات النقل الحراري. فضلًا عن ذلك، يستخدم علماء إنسايت الإشارات الراديوية المرسلة من مركبة الإنزال لتتبع درجة تذبذب المريخ حول محوره مع مرور الزمن. ومن شأن هذه المعلومات مساعدة الباحثين في تحديد حجم نواة المريخ وكثافتها. لذلك سميت هذه البعثة «استكشاف الباطن باستخدام التحريات الزلزالية والجيوديسية والنقل الحراري.»

وقال أعضاء فريق البعثة أن بيانات إنسايت ستساعد العلماء عمومًا في تكوين فهم أفضل لكيفية تشكل الكواكب الصخرية كالمريخ والأرض والزهرة. ونشرت النتائج العلمية الأولية للبعثة في 21 فبراير/شباط 2020 في ست دراسات موزعة على مجلتي «نيتشر جيوساينس» و«نيتشر كوميونيكيشنز

زلازل كثيرة

تغطي الدراسات الجديدة أول عشرة أشهر من بعثة إنسايت، وخلالها رصدت مركبة الإنزال 174 نشاطًا زلزاليًا.

تصنف هذه الأنشطة الزلزالية في فئتين: 150 هزة خفيفة قصيرة المدى انتشرت في قشرة المريخ، و24 هزة تتسم بقوة وعمق كبيرين، ونشأت من بؤر مختلفة. وأوضح أعضاء الفريق أنه «حتى أقوى الزلازل لم تكن قوية جدًا؛ فلم تسجل أكثر من 4 على مقياس ريختر، علمًا بأن الزلازل على الأرض لا تلحق ضررًا بالمباني ما لم تسجل 5.5 ريختر على الأقل.»

وما زالت إنسايت ترصد الزلازل حتى الآن، فوفقًا لبانردت، بلغ مجموع ما سجلته المركبة حتى الآن 450 زلزالًا، وجميعها ناجم عن الكوكب ذاته وليس النيازك التي تضرب سطحه، ما يشير إلى الكثير من الأنشطة الزلزالية في الباطن.

غير أن طبيعة الأنشطة الزلزالية على المريخ مختلفة تمامًا عما هو موجود على الأرض، إذ أن معظم الزلازل الأرضية ناجمة عن انزلاق الصفائح التكتونية فوق بعضها باستمرار. أما على المريخ، فقال الباحثون إلى أن الكوكب يفتقر إلى صفائح تكتونية نشطة، وعوضًا عن ذلك، تنشأ الزلازل نتيجة للتبريد طويل الأمد للكوكب منذ تشكله قبل 4.5 مليار عام. وقال بانردت «كلما برد الكوكب، انكمش، ما يجبر الطبقات الخارجية الهشة على التكسر لتحفظ توازنها على السطح، وهذا هو مصدر الإجهادات.»

بالإضافة إلى ذلك، تتعرض بعض المناطق لإجهادات أكثر من غيرها. ومن الأمثلة عليها منطقة سيربيروس فوساي النشطة زلزاليًا، والتي تبعد 1,600 كيلومتر شرقًا من موقع هبوط إنسايت.

سجل الفريق اثنين من أقوى الزلازل عند تلك المنطقة، وكتب بانردت وزملاؤه في إحدى الدراسات الحديثة «تضم المنطقة صدوعًا وتدفقات بركانية وقنوات مياه سائلة يتراوح عمرها من 2 إلى 10 مليون عام.» وأضافت سو سمريكر نائبة الباحث الرئيس «فمن المحتمل وجود ماجما معرضة للتبريد في باطن المريخ عند سيربيروس فوساي، وسيؤدي التبريد إلى انكماش حجرة الماجما وتشوه القشرة نتيجة لذلك.»

رؤى عديدة

يستخلص العلماء قدرًا كبيرًا من المعلومات من قياسات مركبة إنسايت، فمثلًا صرح فريق البعثة أن تحليلات انتشار الموجات الزلزالية عبر قشرة المريخ أشارت إلى وجود كميات قليلة من المياه ممزوجة مع الصخور. وقال بانردت «بياناتنا متسقة مع قشرة فيها نسبة قليلة من الرطوبة، لكننا لسنا نجزم بوجود خزانات مياه ضخمة تحت سطح الكوكب.»

أشارت الدراسات الجديدة إلى اكتشافات أخرى كذلك، إذ تمثل إنسايت أول بعثة حملت جهازًا لقياس المغناطيسية إلى سطح المريخ، ما مكنها من رصد حقل مغناطيسي محلّي بشدة تبلغ 10 أضعاف القوة التي توقعتها القياسات المدارية. وجدير بالذكر أن المريخ خسر حقله المغناطيسي الكلي قبل مليارات الأعوام، ما مكن الجسيمات الشمسية من تجريد المريخ من غلافه الجوي، ما أدى إلى  انتقال المريخ من كوكب حار نسبيًا إلى الصحراء الباردة حاليًا.

علاوة على ذلك، تعمل مركبة إنسايت بجمع بيانات جوية كثيرة، فتقيس الضغط مرات عديدة في كل ثانية، وتقيس الحرارة مرة كل بضع ثوان. ومن شأن هذه المعلومات مساعدة فريق البعثة على فهم الضجيج البيئي الذي يؤثر على دقة عمليات الرصد الزلزالي، بالإضافة إلى فوائد أخرى.

تنقيب المريخ

لم تسر جميع الأمور كما خطط لها في البعثة، فلم يتمكن مجس التنقيب الحراري «الخلد» من التنقيب حتى العمق المطلوب لأن تربة المريخ كانت أكثر انزلاقًا مما توقع الفريق، إذ يتطلب نظام الحفر درجة محددة من الاحتكاك كي يعمل على أكمل وجه.

جرب الفريق استراتيجيات عدة لتحريك المجس، ومنها أن حاولوا الضغط على جانب المجس بذراع إنسايت الروبوتية لتوليد الاحتكاك المطلوب. وعلى الرغم من أن ذلك حقق بعض النجاح، بقي المجس قريبًا جدًا من السطح.

ويسعى الفريق في الأسابيع القادمة إلى تعديل استراتيجية ضغط الذراع، بمحاولة الضغط على ظهر المجس عوضًا عن جانبه سعيًا إلى غرسه في الأرض على عمق 40 سنتمترًا، وعند هذا العمق يأمل الفريق أن ينجح المجس في بدء عملية الحفر.

لم ترصد مركبة الإنزال أي زلازل قوية حتى الآن، ويتطلع الفريق إلى رصد زلازل قوية جدًا لأنها تساعدهم في رسم صورة أكثر وضوحًا لباطن الكوكب. غير أن افتقار المريخ لمثل هذه الزلازل ليس مفاجئًا، إذ قال بانردت أن الزلازل القوية نادرة بالنسبة لغيرها حتى على الأرض.

لكن هذه المسائل لن تعرقل مسار البعثة، بالإضافة إلى أن الفريق يبدي تفاؤلًا بما أنجزه حتى الآن. وقال بانردت «قطعنا شوطًا طويلًا في طريقنا نحو تحقيق الأهداف التي وضعناها قبل عشرة أعوام عندما بدأنا هذه البعثة.»

– المصدر: النتائج الأولية لمركبة «إنسايت» تظهر نشاطًا زلزاليًا على كوكب المريخ على موقع مرصد المستقبل.

مرصد المستقبل

مرصد المستقبل هي منصة علمية عالمية لاستشراف المستقبل تعمل على تغطية آخر ما توصل له العلم وقطاع التكنولوجيا باللغة العربية بشكل يومي من خلال المقالات البحثية والإنفوجرافيك والمواد المرئية. المرصد هو ناتج شراكة استراتيجية بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة مرصد المستقبل ذ.ذ.م. يتكون فريق العمل من خبراء ومحللين من كلتا المؤسستين لتعزيز العلم والابتكار في المنطقة.