أبحاث علمية

المتلازمة الأيضية:سكر الفركتوز والدهون وجهان لعملة واحدة

يمتلك كل من نوعي السكريات الجلوكوز والفركتوز القيمة الحرارية نفسها، ولكن يتم أيضهما بطريقتين مختلفتين. وتم الكشف مؤخرًا عن أن الفئران غير القادرة على أيض الفركتوز تتمتع بصحة أفضل عند وضعها على نظام غذائي غني بالكربوهيدرات/ النشويات.

توازت خلال العقود الأربعة المنصرمة الزيادة الضخمة في استهلاك السكريات في العالم الغربي مع تفشي حالات السمنة المزمنة والمتلازمة الأيضية، مما يشير إلى وجود علاقة سببية بين الاثنين. ورغم ذلك.. فإن مدى إسهام السكريات منفردةً في ذلك الوباء، مقارنةً بالاستهلاك الحراري الكلي، يظل موضع خلاف. على سبيل المثال.. هناك رأْي يقول إن الاستهلاك الزائد للفركتوز، الموجود بوفرة في المشروبات الغازية والأغذية المصنعة 1، من المسببات الأساسية لتلك الأمراض. لم يلق هذا الرأْي ترحيبًا عالميًّا رغم ذلك 2. ويستكشف الآن اثنان من الأبحاث التي قام بها جونسون وزملاؤه، وتم نشرهما في مجلتيّ طب الكبد Hepatology (إيشيموتو واخرون 3) ونيتشر كوميونيكشنز Nature Communications (لاناسبا واخرون 4)، دور عملية أيض الفركتوز في حدوث السمنة والمتلازمة الأيضية، باستخدام فئران تجارب غير قادرة على أيض هذا السكر. وتدعم النتائج بقوة افتراض أن الاستهلاك الزائد من الفركتوز له آثار سامّة.

تضم مجموعة السكريات الغذائية عديدًا من النشويات، ومع ذلك يُـقصد بها في الغالب النشا والسكروز وشراب الذرة الغني بالفركتوز، وكل منها مكوّن من جلوكوز مع فركتوز، أو بدون الأخير. النشا مثلًا، ويوجد في الخبز والأرز، هو عبارة عن بوليمر من الجلوكوز. والسكروز (السكر العادي) هو سكر ثنائي مكون من جلوكوز وفركتوز؛ وشراب الذرة عالي الفركتوز هو مكوّن أساسي في المشروبات الغازية، وهو مزيج من الجلوكوز بنسبة حوالى %40، والفركتوز بنسبة %60 5. من المنظور الحراري، فإن جزيء الجلوكوز له بالضبط قيمة جزيء الفركتوز نفسها، لكن الجسم البشرى يتعامل مع هذين النوعين من السكريات بطريقة مختلفة، مما يثير التساؤل حول الدور الفردي لكل منهما في السمنة والمتلازمة الأيضية 6.

وبشكل عام، يستخدم الجلوكوز مباشرة بواسطة الأنسجة كمصدر للطاقة، كما في العضلات والمخ. ويتم تخزين الجلوكوز الفائض عن حاجة الأنسجة في الكبد في صورة جليكوجين (بوليمر من الجلوكوز)، ويمكن أيضًا أن يتحول إلى فركتوز عن طريق سلسلة تفاعل البوليول الكيميائية الحيوية (شكل 1). وعلى العكس من الجلوكوز، يتم أيض الفركتوز بشكل حصري تقريبًا في الكبد، حيث يقوم الإنزيم كيتوهكسوكاينيز (KHK)، وهو إنزيم مسؤول عن أيض الفركتوز، ويوجد فقط في الكبد، ويُعرف أيضًا باسم فركتوكاينيز، بحصر الفركتوز داخل خلايا الكبد في صورة فركتوز 1- فوسفات. وعلى العكس من جزيء فركتوز 6- فوسفات (وهو عبارة عن صورة أخرى من فركتوز 1- فوسفات، ويشترك في التفاعل الكيميائي الحيوي لتحلل السكريات)، يمكن لجزيء فركتوز 1- فوسفات أن يتفادى الخطوة الكبرى التي تحدث خلال تفاعل تحلل السكريات، الذي ينتج عنه جزيء الفركتوز 1،6- ثنائي الفوسفات، بفعل الإنزيم الحساس للطاقة فوسفوفركتوكاينيز. وبالتالي، يمكن للفركتوز أن يتحول مباشرة إلى دهون، بدون أن يكون مقيدًا بالآليات الرقابية للخلية التي تمنع تكوُّن الدهون من الجلوكوز، بشكل مفرط 7، 8.

الشكل 1 | أيض السكريات. الجلوكوز والفركتوز هما سكريات غذائية. يتم أيض الجلوكوز بشكل أساسي عن طريق تحلّل السكريات، ويتم تنظيم تلك العملية عن طريق التثبيط الرجعي بواسطة الـATP أو السترات، وينتج عن هذا إعادة توجيه الجلوكوز؛ ليُخزّن في صورة جليكوجين. وفي خلايا الكبد التي تنتج إنزيم الكيتوهكسوكاينيز (KHK)، يتم تحويل الفركتوز إلى أحماض دهنية، مجموعات رأسية ثلاثية الجليسريد (جليسرول، لا يظهر في الرسم) وجليسريدات ثلاثية في مسار تصنيعى حيوي، لا يتم التحكم فيه بواسطة آليات التغذية الرجعية التي يشترك بها الـATP أو السترات. يمكن أيضًا للجلوكوز أن يتحول إلى فركتوز عن طريق مسار تفاعل البوليول، الذي يشترك به الإنزيم ألدوز ريداكتيز (AR). وفي غياب آليات التثبيط الرجعي، فإن عملية أيض الجلوكوز يمكن أن تستخدم أيضًا لإنتاج الأحماض الدهنية والجليسريدات الثلاثية. أما الـPFK، فهو إنزيم الفوسفوفركتوكاينيز.

بهذا المنطق، فإن نظام الغذاء الغني بالفركتوز يمكن أن يسبب تراكم الدهون في الكبد، مما يؤدى إلى عديد من أمراض الكبد، مثل الكبد الدهني، والتهاب الكبد الدهني، وصولًا إلى تشمُّع الكبد. يمكن أيضًا لدهون الكبد أن تخرج في تيار الدم؛ لتصل إلى الخلايا الدهنية في الأنسجة الأخرى؛ مما يسبب السمنة. وبالإضافة إلى ذلك.. يمكن للدهن الموجود بتيار الدم أن يعجِّل بحدوث أمراض القلب ومقاومة الإنسولين، والنوع الثاني من مرض السكر. إذن، فالاستهلاك المفرط للفركتوز يمكن أن يُعدّ سببًا جوهريًّا للمتلازمة الأيضية، التي ترتبط بدورها بمعدلات شفاء ضئيلة من أنواع متعددة من السرطانات 9.

في الواقع، تقوم دراسات وبائية عديدة بربط استهلاك الفركتوز والسمنة بالمتلازمة الأيضية 10. كما أظهرت دراسات عديدة 11، 12، 130 أن الاستهلاك المفرط للفركتوز يسبب ظهور بعض أعراض المتلازمة الأيضية في حيوانات التجارب والبشر. على سبيل المثال.. في البشر ذوي الوزن الزائد، لُوحظ أنّ نظامًا غذائيًّا غنيًّا بالفركتوز (%25 من المجموع الكلي للسعرات) كان سببًا في ظهور مقاومة للإنسولين وارتفاع مستوى الدهون ثلاثية الجلسريد والسمنة الحشوية، وهي مظاهر لم يتم تسجيلها في أفراد آخرين من ذوي الوزن الزائد الذين يستخدمون نظامًا غذائيًّا مماثلًا، ولكنه مؤسَّس على الجلوكوز، بدلًا من الفركتوز 14. وتشير تلك الدراسات بقوة إلى أن تناول الفركتوز بشكل مفرط (مقارنةً بالجلوكوز) يؤدي إلى حدوث المتلازمة الأيضية. وعلى الرغم من تراكم تلك الأدلة العرضية، ومنطقية الفرضية نفسها، فإن الإسهام النسبي للفركتوز في ذلك المرض ما زال غير مثبت.

قرر إيشيموتو وزملاؤه أن يقوموا مباشرة باختبار الدور الذي يلعبه أيض الفركتوز في ظهور أعراض المتلازمة الأيضية، عن طريق استخدام فئران لا تحتوى على الإنزيم KHK، وبالتالي غير قادرة على التعامل مع الفركتوز. كانت النتائج التي توصلوا إليها متسقة مع نتائج الدراسات العديدة السابقة: الفئران البرية التي اعتمدت نظامًا غذائيًّا غربيًّا (غني بالدهون والفركتوز الذي يأتي من السكروز) أظهرت أعراضًا حادة من أمراض الكبد الدهني، والتهاب الكبد (وهى أعراض تعرف في مجملها بالتهابات الكبد غير الكحولية)، وتليف الكبد. وعلى العكس من ذلك، فإن الفئران التي لا تحتوى على الإنزيم KHK، التي تلقت النظام الغذائي نفسه، لم يحدث بها التهابات كَبِدِيّة أو تليًّف، وظهرت بها فقط كمية ضئيلة من دهون الكبد. ولأن الباحثين قد أوضحوا أن الفئران البرية والطافرة تلقى كميات متساوية من السعرات الحرارية، فإن تأثير عدم قدرة الفئران الطافرة على تمثيل الفركتوز يعد دليلًا مباشرًا على أن هذا السكر له دور في تفاقم أعراض معينة من المتلازمة الأيضية.

أخذ لاناسبا وزملاؤه خطوات أبعد من ذلك بدراسة تأثير الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات، الخالية من الفركتوز، في الفئران التي لا تحتوي على إنزيم KHK. ومن المثير للاهتمام أن الفئران كانت محمية أيضًا من الآثار الضارة للاستهلاك المفرط للجلوكوز. يتماشى هذا مع المنطق، حيث يقوم تفاعل البوليول في الكبد بتحويل الجلوكوز الفائض إلى فركتوز، حيث يُخزن في صورة دهون فقط في وجود إنزيم KHK (شكل 1). في الحقيقة، يثبت أولئك الباحثون اعتماد عملية تكوّن الفركتوز على ذلك التفاعل في الفئران الخالية من الإنزيم ألدوز ريداكتيز (AR)، الذى يدخل في تفاعل البوليول؛ وكانت تلك الفئران أيضًا محمية ضد تراكم دهون الكبد المعتمد على الجلوكوز.

تظل الإجابة على مسألة وجود علاقة بين المتلازمة الأيضية في البشر والتكون الحيوي للفركتوز من الأغذية الغنية بالجلوكوز غير معروفة. وأيًّا ما كانت تلك الإجابة، فإن الأبحاث الحالية تقدم دليلًا قويًّا على التأثيرات السامة لاستهلاك السكريات المفرط، واضعةً أيض الفركتوز كمتهم أساسي. ومن المنظور التطوري، ربما كان التحول الفعال للفركتوز إلى دهون مفيدًا يومًا ما. فعلى سبيل المثال.. لأن الفاكهة تنضج في نهاية موسم نموها، فإن تحول النشا إلى فركتوز، وتخزُّن الفركتوز الزائد بدوره في صورة دهون، بدلًا من جليكوجين، ربما سهّل البقاء خلال شهور ندرة الغذاء.

على أية حال، فإنه من النادر ألا يتوافر الغذاء في العالم الغربي في وقتنا الحالى في أى وقت من العام، وبالتالي فإن الدهون المخزنة من الفركتوز تظل غير مستهلكة. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن العديد من الأغذية منخفضة التكلفة والمتوافرة على مدار العام هي ذات المحتوى الأعلى من الفركتوز (المشروبات المسكرة والأغذية المصنعة). وبما أن أقل من نصف السعرات الحرارية في السكر المنزلي وشراب الذرة عالي الفركتوز تأتى مباشرة من الجلوكوز، وبالتالي تُستخدَم في الحال بواسطة العضلات والمخ، فإن هذا قد يسهم في ميلنا إلى الاستهلاك المفرط لتلك المأكولات؛ لنحافظ على مستوى الجلوكوز في الدم. لذلك.. ورغم تساويهما في السعرات الحرارية، فإن معرفة الأساس الحيوي لأيض السكريات يُظْهِر بوضوح أن الجلوكوز والفركتوز ليسا متساويَـيْن في آثارهما على الإطلاق.

مراجع وملاحظات :

  1. Lustig, R. H. J. Am. Diet. Assoc. 110, 1307–1321 (2010).
  2. Feinman, R. D. & Fine, E. J. Nutr. Metab. 10, 45 (2013).
  3. Ishimoto, T. et al. Hepatology http://dx.doi.org/10.1002/hep.26594 (2013).
  4. Lanaspa, M. A. et al. Nature Commun. 4, 2434 (2013).
  5. Ventura, E. E., Davis, J. N. & Goran, M. I. Obesity 19, 868–874 (2011).
  6. Lustig, R. H. J. Am. Diet. Assoc. 110, 1307–1321 (2010).
  7. Stanhope, K. L. et al. J. Clin. Invest. 119, 1322–1334 (2009).
  8. Lustig, R. H. J. Am. Diet. Assoc. 110, 1307–1321 (2010).
  9. Khandekar, M. J., Cohen, P. & Spiegelman, B. M. Nature Rev. Cancer 11, 886–895 (2011).
  10. Dhingra, R. et al. Circulation 116, 480–488 (2007).
  11. Stanhope, K. L. et al. J. Clin. Invest. 119, 1322–1334 (2009).
  12. Teff, K. L. et al. J. Clin. Endocrinol. Metab. 94, 1562–1569 (2009).
  13. Jürgens, H. et al. Obes. Res. 13, 1146–1156 (2005).
  14. Stanhope, K. L. et al. J. Clin. Invest. 119, 1322–1334 (2009).