أبحاث

دليل النيوترينو Neutrino لحلّ لغز الكون

قد يفسِّر سلوك جسيمات النيوترينو المراوِغة في المادة ـ المختلِف عنه في المادة المضادة ـ سَبَبَ هيمنة المادة.

إنه أحد أكبر أسرار الفيزياء: لماذا يمتلئ الكون بالمادة، بدلًا من المادة المضادة. تُلمِّح حاليًّا تجربة في اليابان إلى تفسير محتمل، هو: قد تتصرف جسيمات تحت ذرية تُسمى نيوترينوات بصورة مختلفة في المادة عنها في المادة المضادة.

ربما نكتشف أن التفاوت ـ الذي أُعلن عنه في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية (ICHEP) في شيكاجو، إلينوي، في السادس من أغسطس الماضي ـ غير حقيقي؛ ولذلك نحتاج إلى جمع المزيد من البيانات للتحقق. يقول أندريه دي جوفيا، اختصاصي الفيزياء النظرية في جامعة نورث ويسترن في إيفانستون، إلينوي: “ربما تراهن على أن هذا الاختلاف موجود في النيوترينوات، ولكن من السابق لأوانه القول إن بإمكاننا رؤيته”. ومع ذلك.. فمن المرجح أن يضفي ذلك الإعلان مزيدًا من الإثارة على دراسات النيوترينو، فتلك الجسيمات الوفيرة والمراوِغة تبدو على نحو متزايد مفتاحًا لحل جميع أنواع الألغاز في الفيزياء.

في تسعينات القرن الماضي، في تعارُض واضح  1 2،  مع توقعات النموذج الفيزيائي المعياري ـ النموذج الذي يقدم وصفًا جيدًا للطبيعة، ولكنه ناقص ـ تم العثور على النيوترينو، لامتلاكها كتلة، بدلًا من أن تكون عديمة الكتلة تمامًا . ومنذ ذلك الحين، انتشرت تجارب النيوترينو في كل أنحاء العالم، وأدرك الباحثون أن عليهم أن يدرسوا هذه الجسيمات؛ للحصول على تفسيرات جديدة في الفيزياء، حسبما يقول كيث ماتيرا، وهو فيزيائي يعمل على تجربة نيوترينو، تُسمى «نوفا» NOvA في مختبر فيرمي الوطني لتسريع الجزيئات (فيرميلاب) في باتافيا، إلينوي، الولايات المتحدة. ويصف جسيمات النيوترينو قائلًا: “إنها تُعَدّ بمثابة صدع في النموذج المعياري”، فلو كان قد تم إنتاج كلٍّ من المادة والمادة المضادة بكميات متساوية بعد الانفجار الكبير، لأبادت إحداهما الأخرى، ولم يبقَ منهما سوى إشعاع. وقد لاحظ علماء الفيزياء الاختلافات في سلوك بعض جسيمات المادة، وجسيمات المادة المضادة، مثل «الكاونات» kaons و«الميزونات بي» B mesons، ولكن ليس بما يكفي لتفسير هيمنة المادة في الكون.

وفرة غريبة

قد يكون أحد التفسيرات هو أن الجسيمات فائقة الثقل اضمحلت في بدايات الكون بطريقة غير متناظرة، وأنتجت مادة أكثر مما أنتجت مادة مضادة. ويَعتقد بعض علماء الفيزياء أن جسيمات ثقيلة الوزن لها صلة بالنيوترينو هي المسؤولة عن ذلك. وبموجب هذه النظرية، إذا تصرفت كل من النيوترينوات والنيوترينوات المضادة على نحو مختلف اليوم، فإن عدم توازن مماثلًا في نظيريهما القديمين من شأنه أن يفسر الغلبة الساحقة للمادة. ولاختبار ذلك، بَحَثَ العلماء في تجربة «تي تو كيه» Tokai to Kamioka (T2K) في اليابان عن الاختلافات في الطريقة التي تتذبذب بها نيوترينوات المادة والمادة المضادة بين ثلاثة أنواع، أو “نكهات”، أثناء تحركها. أطلقوا حِزَمًا من نيوترينوات ذات نكهة واحدة (ميون نيوترينو) من مجمع أبحاث مسرع البروتونات الياباني في قرية توكايمورا الساحلية إلى مرصد النيوترينو «سوبر كاميوكاندي» Super-Kamiokande detector، وهو خزان من الصلب، موضوع تحت الأرض على مسافة أكثر من 295 كم، وبه 50,000 طن من المياه. قام الفريق بِعَدِّ الإلكترون نيوترينوات التي ظهرت، ما يعني أن الميون نيوترينوات قد تحوَّلت في رحلتها إلى نكهة أخرى، ثم كرروا التجربة مع حزمة من الميون نيوترينوات المضادة.

وصرَّح كونوسوكي إيواموتو ـ وهو فيزيائي في جامعة روتشستر، نيويورك ـ خلال محاضرته التي ألقاها في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية، بأن الشعاعين تصرَّفا على نحو مختلف بعض الشيء.

توقَّع الفريق أنه لو لم يكن هناك فرق بين المادة، والمادة المضادة؛ لكان من شأن كواشفهم ـ بعد ما يقرب من 6 سنوات من التجارب ـ أن ترصد 24 إلكترون نيوترينوات، و7 إلكترون نيوترينوات مضادة، لأن من الصعب إنتاج المادة المضادة والكشف عنها. وبدلًا من ذلك رصدت كواشفهم 32 نيوترينو، و4 نيوترينوات مضادة فقط. ويقول تشانج كي يونج، الفيزيائي في جامعة ستوني بروك في نيويورك، والمشارك في تجربة تي تو كيه: “بدون الدخول في حسابات رياضية معقدة، يشير هذا إلى أن المادة، والمادة المضادة لا تتذبذبان بالطريقة نفسها”.

ألمحت النتائج الأولية لتجارب كل من تي تو كيه، ونوفا إلى الفكرة نفسها، ولكن قد تكون هذه الملاحظات وليدة الصدفة. هناك فرصة واحدة في كل 20 فرصة (حوالي 2 سيجما بالمصطلح الإحصائي) لرؤية هذه النتائج، إذا كانت كل من النيوترينوات والنيوترينوات المضادة تتصرف على نحو مماثل، حسبما يقول يونج. وفي الدورة التالية في عام 2021 يجب أن تمتلك تجربة تي تو كيه بيانات أكثر بخمس مرات مما تملكه اليوم، ولكن الفريق سيحتاج إلى 13 ضعفًا إضافيًّا من البيانات؛ للوصول بالثقة الإحصائية في النتائج إلى 3 سيجما، وهي العتبة الإحصائية التي يمكن لمعظم الفيزيائيين عندها قبول البيانات (باعتبارها معقولة، وإنْ كانت غير مقنِعة تمامًا) كدليل على عدم التناظر.

لذلك اقترح فريق تي تو كيه تمديد تجربتهم حتى عام 2025؛ لجمع البيانات اللازمة. وهناك محاولة لتسريع عملية جمع البيانات، من خلال الجمع بين تلك النتائج، ونتائج تجربة نوفا، التي ترسل حزمة نيوترينو لمسافة 810 كيلومترات من مختبر فيرميلاب إلى منجم شمالي مينيسوتا. وقد أطلقت نوفا حزمة نيوترينو، ستتحول إلى حزمة نيوترينو مضاد في عام 2017. ويقول يونج إن الفريقين وَافَقَا على إنتاج تحليل مشترك، ويمكن أن يصلا معًا إلى 3 سيجما بحلول عام 2020. قد يحتاج الوصول إلى اليقين الإحصائي اللازم ليصبح هذا الاكتشاف رسميًّا (المقدر بـ5 سيجما) إلى جيل جديد من تجارب النيوترينو، التي يجري التخطيط لها في جميع أنحاء العالم بالفعل.

ويجمِّع علماء الفيزياء الاكتشافات المتعلقة بالنيوترينوات على أساس سنوي تقريبًا، حسبما يقول دي جوفيا. ويضيف: “مقارنةً بمعدلات التطور في فيزياء الجسيمات، فهذا تطوُّر سريع جدًّا بحق”.

مراجع وملاحظات :

  1. Fukuda, Y. et al. Phys. Rev. Lett. 81, 1562 (1998).
  2. Ahmad, Q. R. et al. Phys. Rev. Lett. 87, 071301 (2001).